مقالات

الصمت الذي أحدث ضجيجًا!

د. مصلح البركات

الصمت ليس حالة من انعدام الصوت كما يتوهم البعض، بل هو امتلاء، امتلاء بما لا يُقال، وبما لا يحتمله المقام أو لا تقدر النفس على البوح به. إن الكلمات التي نطلقها في أوقات التعقيد ليست دائمًا مرآةً لما نشعر به، فكم من عبارة تبدو لينةً وبريئة، لكنها تحمل خلفها جبالًا من المشاعر المضمرة. تلك المشاعر التي تختبئ تحت عباءة الصمت، فتشتعل داخليًا وتبقى صامتة ظاهريًا، تخلق ضجيجًا لا يسمعه إلا صاحبها.

خذ مثلًا العبارة الشائعة: «كنت أمزح». ما أكثر الحقائق التي تمر عبر هذه البوابة اللطيفة! نرمي السهم مغلفًا بالمرح، ثم ننتظر أن يصيب الهدف دون أن نتحمل مسؤولية وقعه.


هذه الجملة ليست مزحة بقدر ما هي درعٌ نتستر به حين تخوننا الجرأة على قول الحقيقة مباشرة. وراء هذا الادعاء تختبئ اعترافاتٌ معلّقة، ومشاعر لم تجد طريقها إلى الصراحة.

وفي كلمة: «لا عادي» رائحة الغيرة تفوح وإن حاول أصحابها أن يواروها. هي عبارة قصيرة تُقال ببرود مصطنع، لكنها تكشف أكثر مما تخفي. قد تقولها بدافع الكبرياء، أو حفاظًا على صورة ثابتة أمام الآخرين، لكنها تُقال دائمًا والروح مشتعلة من الداخل. كأن القلب يصرخ: “ليس عاديًا… لكني لن أقول!”


أما «حصل خير» فهي جملة تصنعها التربية أكثر مما يصنعها الرضا. تُقال حين يكون الجرح طريًا، وحين لا يريد الإنسان زيادة الشقاق، فيتجاوز ظاهريًا بينما الألم ما يزال جالسًا في العمق. نحن أحيانًا نتنازل عن حقنا في التفسير أو المواجهة، ونفضّل أن نطوي الصفحة حتى إن لم تُقرأ بما يكفي.


وفي عبارة: «تسلم، ما تقصّر» نبرة حاجة لا يلتقطها إلا المرهفون. نقولها بامتنان، لكن تحتها احتياج خجول، رغبة في الدعم أو طلب غير مباشر للعون. هي من تلك الكلمات التي تبدو عادية، لكنها محمّلة بما لا يُقال، كأن الروح تهمس: “شكري هذا أكبر من الفعل… لأن احتياجي أكبر من القول.”


وأما أشد العبارات توجعًا فهي تلك الجملة التي يتقنها الجميع: «أنا بخير». لا يُقال فيها الصدق إلا نادرًا. أغلب من ينطقونها يخفون عكسها تمامًا، لأنها أصبحت في المجتمع جواز مرور يجنّبك الأسئلة ويفتح لك باب الهروب من الاعتراف. نقولها حتى حين ننهار، وحتى حين تتكسر أجزاؤنا، لأنها تختصر معركة طويلة نخوضها وحدنا.


وكلمة: «براحتك» هي بركان غضب لا يريد أن ينفجر. نقولها كي نبدو متماسكين، لكننا نقصد بها: “ليس الأمر كما تشاء، بل كما أتألم”. إنها جملة مكسوّة بالهدوء، لكنها محمّلة بالرفض، تنتظر من الآخر أن يفهم ما وراءها من خذلان أو غضب أو عتب.


ثم يأتي الصمت… الصمت الذي لا يُفصح عن شيء ويقول كل شيء في الوقت ذاته. الصمت الذي يجمع كل الكلمات السابقة تحت جناحه، ويجعلها طنينًا داخليًا لا يسمعه إلا القلب الذي يُخفي وجعه. الصمت أحيانًا أقوى من أي لغة، لأننا حين نلوذ به نعلن أننا فقدنا القدرة على التبرير، أو الشرح، أو حتى الشكوى.


إنه استسلام مؤقت، لكنه أيضًا سلاحٌ ناعم يفضح ما لا تستطيع اللغة حمله.

وهكذا تصبح العبارات اليومية بوّابات لمشاعر أكبر من حروفها، وتتحول الكلمات العادية إلى نصوص خارج السيطرة، بينما يبقى الصمت سيدَ اللحظة، يحدث ضجيجًا لا يُرى ولا يُسمع، لكن أثره يستقر في أعماق الروح طويلاً.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى