
قراءة اجتماعية في الأبناء حين يكبرون، واللحظات التي لا تُستعاد:
الأبناء نعمةٌ إلهية لا يختلف على فضلها اثنان، وزينةٌ من زينة الحياة الدنيا، كما قال الله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
غير أن السؤال الأهم لا يقف عند الاعتراف بالنعمة، بل يتجاوزها إلى سؤالٍ أعمق: كيف نعيش هذه النعمة؟
وكيف نحسن استقبالها قبل أن تمضي؟
كثيرون يظنون أن الاستمتاع بالأبناء مرهون بكثرة العطاء المادي، أو الرحلات المكلفة، أو تلبية كل رغبةٍ عابرة، بينما الحقيقة أبسط وأصدق من ذلك. فالاستمتاع الحقيقي لا يُقاس بما نُقدّمه لأبنائنا، بل بقدر حضورنا معهم؛ حضور القلب قبل الوقت، والإنصات قبل التوجيه، والاحتواء قبل التوبيخ.
أن نصغي لحكاياتهم الصغيرة وكأنها أعظم منجز، وأن نضحك لضحكاتهم دون استعجال، وأن نشاركهم لعبهم العفوي دون شعورٍ بالتعالي أو الضجر. فهناك، في تلك اللحظات التي نظنها عابرة، تُبنى الذاكرة، وتتشكّل العلاقة، ويُزرع القرب الذي يدوم.
حين نسمح لأنفسنا أن نعيش طفولتهم معهم، نرتوي دون أن نشعر. نرتوي من فوضى ألعابهم، من أسئلتهم المتكررة، من أصواتهم العالية التي تملأ البيوت حياة، ومن عفويتهم التي تعيد ترتيب قلوبنا. ما نراه اليوم ضجيجًا، سنراه غدًا فراغًا. وما نعدّه تعبًا، سنكتشف لاحقًا أنه كان نعمةً متنكرة.
فالطفولة ليست مرحلة طويلة كما نتصور؛ إنها فصلٌ قصير في كتاب العمر، يمر سريعًا، وإن لم نقرأه جيدًا اليوم فلن نجده غدًا. تمضي دون استئذان، وتغادر بهدوء، تاركةً خلفها حنينًا لا يُطفئه شيء.
سيكبر الأبناء، وتختفي تلك الأصوات التي اعتدنا سماعها:
«اذهب وذاكر دروسك»،
«رتّب غرفتك»،
«لا تلعب هنا»،
«لا تُبعثر ألعابك».
سنشتاق لاعتراضاتهم الصغيرة، لغضبهم العابر، لفوضاهم التي لم نكن نعلم أنها كانت حياةً كاملة.
تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تصنع ذكرياتٍ كبيرة، وتبني علاقةً دافئة لا تقوم على الخوف ولا الأوامر، بل على القرب والطمأنينة. علاقة تبقى حين يكبر الأبناء، ويغيب الضجيج، ويحل الصمت.
لهذا، فلنستمتع بأبنائنا وهم صغار، لا لأن الطفولة جميلة فحسب، بل لأنها لا تعود.
ولنزرع حضورنا في قلوبهم اليوم،
ليبقوا قريبين منا غدًا…
حين يكبرون.




يعطيك العافيه مقال رائع
بارك الله فيكم أستاذة ايناس مقال جميل تشعر من خلالة بسهولة تربية الابناء وأن معاشرتهم هي الطريق الموصل للتربية الصحيحةً السليمة كما قيل في الاثر حول الابناء ( لاعبه سبعًا ، وأدّبه سبعًا ، وآخه سبعًا، ثم اترك حبله على غاربه ) ،..
شكراً أستاذة ايناس مقال تستحق القراءة والتأمل .
مقال جداً راىع
مقال مليان وعي وحب شكراً لطرحك الجميل
مقال مميز من شخصية تربوية مبدعة
وفقك الله أستاذتنا