آداب

العزاء من المواساة إلى الضجيج

د. مصلح البركات

كان العزاء، في جوهره الأول، مساحة إنسانية خالصة؛ لحظة صمتٍ تشارَك فيها الأحزان، وكلمةٍ قصيرة تُخفف وطأة الفقد، وحضورٍ صادق يقول للمنكوب: لست وحدك. هكذا عرفه الناس قديمًا: مواساة بلا تكلّف، ودعاء بلا استعراض، وتخففٌ من آلام لا تُحتمل.

غير أن هذا المفهوم النبيل أخذ يتبدّل، رويدًا رويدًا، حتى غدا في كثير من المشاهد المعاصرة ضجيجًا اجتماعيًا يثقل كاهل أهل الفقيد بدل أن يواسيهم. فالعزاء الذي كان زمنًا للسكينة تحوّل أحيانًا إلى مناسبة صاخبة، تُقاس فيها كثافة الحضور، وتُرصد فيها الصور، وتُدار فيها المجاملات أكثر مما تُدار فيها المشاعر.

في بعض المجالس، يطغى السؤال عن “من حضر؟” على السؤال الأهم: “كيف حال أهل المصاب؟”. ويحلّ التنافس غير المعلن محل التعاطف الصادق؛ تنافس في مظاهر التنظيم، وفي عدد اللافتات، وفي فخامة المكان، وكأن العزاء صار حدثًا اجتماعيًا يخضع لمعايير العرض لا لروح المواساة. وفي خضم ذلك، يجد أهل الفقيد أنفسهم مجبرين على الاستقبال المتواصل، والردّ على العبارات المكرورة، وهم في أمسّ الحاجة إلى العزلة والهدوء.

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا التحوّل؛ فانتقل العزاء من مجلس محدود إلى فضاء مفتوح، تُنشر فيه صور المجالس، وتُكتب فيه عبارات النعي المتشابهة، ويُقاس الحزن بعدد الإعجابات والتعليقات. ومع أن النية قد تكون طيبة، إلا أن الأثر غالبًا ما يزيد الضجيج بدل أن يخفف الألم، ويحوّل الحزن من تجربة إنسانية خاصة إلى مشهد عام.

إن المشكلة لا تكمن في العزاء ذاته، بل في ابتعاده عن مقصده. فالمواساة ليست في طول البقاء، ولا في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الكلام، بل في كلمة صادقة تُقال في وقتها، وفي حضور يحترم وجع الآخر وحدوده. وربما كان الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب، والدعاء الخفي أصدق من العبارات الجاهزة.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف العزاء بوصفه فعل رحمة لا مناسبة اجتماعية، ووقفة إنسانية لا ساحة استعراض. عودةٌ إلى البساطة التي تحفظ للميت كرامته، ولأهله حقهم في الحزن الهادئ. فحين يعود العزاء إلى معناه الأول، يعود للمواساة صوتها الحقيقي… بلا ضجيج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى