آداب

العلاقات الصحية والصراحة المتوازنة

د. مصلح البركات

العلاقات لا تزدهر بطول الزمن ولا بكثرة اللقاءات، بل بما يُبنى بينها من صدقٍ واحترامٍ ووضوح. فالعلاقة الصحية هي التي تمنحك مساحة للتعبير دون خوف، وتجعلك تشعر بأنك مقبول كما أنت، لا كما يريدك الآخرون أن تكون. لكن لهذه الصحة شرطها الأساس التوازن.

فالصراحة المتوازنة ليست جرأة منفلتة، ولا مجاملة تُخفي الحقيقة، بل هي الصيغة الإنسانية الوسط بينهما. أن تقول الحقيقة دون أن تجرح، وأن تُعلن موقفك دون أن تهدم الجسر الذي يربطك بالآخر. فالصدق الذي يأتي بلا حكمة قد يصبح سيفًا، واللطف الذي يأتي بلا وضوح يتحوّل إلى قيدٍ ينهك الروح.


العلاقة الصحية تقوم على ثلاثة أعمدة: الوضوح، والمرونة، والمسؤولية.


فالوضوح يحمي من سوء الفهم، والمرونة تمنح العلاقة مساحة للنمو، والمسؤولية تجعل كل طرف واعيًا بتأثير كلماته وأفعاله. وعندما تتوفر هذه الأعمدة، تصبح الصراحة وسيلة للتقارب لا للابتعاد، وللبناء لا للهدم.


كثير من العلاقات تتعب لأنها تعيش بين طرفين مترددين: أحدهما يخشى قول الحقيقة حتى لا يغضب الآخر، والآخر يظن أن الصمت علامة رضا. ومع الوقت تتراكم الظنون، ويبدأ كل طرف في تفسير الصمت على طريقته، فتضعف الثقة وتتسع الفجوة. ولو قيلت كلمة واحدة بوضوح منذ البداية، لكان المشهد مختلفًا تمامًا.


الصراحة المتوازنة هي أن تقول ما تشعر به، لكن بعد أن تفهمه. أن تعبر عن مشاعرك دون اتهام، وتطلب حقك دون انفعال، وتُظهر احتياجاتك دون أن تلزم الآخر بما لا يستطيع. هي الصراحة التي تُبنى على الاحترام، لا تلك التي تُقال تحت ضغط الغضب أو الانفعال.


أما العلاقة التي تُبنى على المجاملات المفرطة، فهي علاقة تنهك أصحابها. لأن إخفاء ما نشعر به خوفًا من خسارة العلاقة يؤدي في النهاية إلى استنزافها. الصراحة ليست سببًا في هدم العلاقات، بل غيابها هو ما يُضعفها ويجعلها هشة أمام أول خلاف.


العلاقات الصحية تحتاج إلى صدق، لكنها تحتاج إلى وعيٍ في كيفية تقديم هذا الصدق. فالإنسان ليس آلة تتلقى الحقائق ببرود، بل كائن عاطفي يتأثر بنبرة الكلمة وطريقة قولها. لذلك فإن الصراحة المتوازنة تُراعي الزمن والمكان واللغة، وتعرف أن لكل حقيقة طريقة تناسبها.


في النهاية، العلاقة الصحية لا تبحث عن “الكلمة التي ترضي”، بل عن “الكلمة التي تصلح”. والصراحة المتوازنة ليست محاولة للسيطرة على الآخر، بل سعيٌ لأن نكون نحن وهو في مساحة واحدة من الوضوح والطمأنينة.


فالصدق يبني الجسور، واللطف يزيّنها، والصراحة المتوازنة هي الطريق الآمن الذي يعبر عليه الطرفان نحو علاقة ناضجة، مستقرة، وأقرب إلى القلب.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى