آداب

العلاقات المسمومة

ا /محمدباجعفر

العلاقات المسمومة ليست سوء تفاهم، ولا مرحلة عابرة،
ولا اختبار صبرٍ يُكافَأ في نهايته.

هي خللٌ بنيويّ، وعطبٌ في الجوهر، ومحاولة علاجها تشبه سقي نبتةٍ جذورها فاسدة؛
كلما سقيتها أكثر، تعفّنت أسرع.

نحن نُخطئ حين نُضفي على الأذى صفة الإنسانية، وحين نُقنع أنفسنا أن القسوة يمكن أن تُهذَّب،
وأن الاستهتار قد يتعلّم الاحترام، وأن من اعتاد جرحك سيفهم يومًا كم نزفتَ بصمت.

الحقيقة أبسط وأقسى:
من آذاك وهو يعلم… سيعيدها وهو مطمئن.

العلاقات المسمومة لا تبدأ بضربة،
بل بابتسامة مشروطة،
بكلمة تُقال نصفها لطف ونصفها إهانة،
بحدود تُكسَر مرة “على سبيل المزاح”،
ثم مرة “بدافع القلق”،
ثم مرة “لأنك حساس أكثر من اللازم”.

هكذا يُدرَّب الضحية على الشك في إحساسه،
لا في سلوك الجاني.

ومجاملة الأفاعي المسمومة ليست حكمة،
بل خيانة للنفس.

أن تُصافح من يلدغك بحجة الرقي،
أن تبتسم لمن يستهين بك بدعوى النضج،
أن تصمت عن الإهانة كي لا “تخسر العلاقة”…
كل ذلك ليس تسامحًا،
بل مشاركة غير مباشرة في إيذاء ذاتك.

الأذى الذي يُجامل يتوحّش.

والحدود التي لا تُحترم تُداس.

ومن تمنحه ألف فرصة سيتعامل معك كأنك بلا خيارات.

هناك فرق شاسع بين الصبر والبلادة، بين الحكمة والإنكار،
بين إعطاء فرصة وبين إلغاء كرامتك.


الصبر فضيلة حين يكون الأذى طارئًا،
والخطأ عارضًا،
والاعتذار صادقًا.


أما حين يتحوّل الألم إلى نمط،
والإساءة إلى عادة،
والتبرير إلى لغة يومية…
فالصبر هنا ليس فضيلة، بل استنزاف.


الناس لا تتغيّر لأنك تألمت،
ولا تنضج لأنك سامحت.


التغيير فعل داخلي، قرار شخصي،
لا هدية تُمنح بسبب طيبة قلبك.


ومن لم يحترمك وأنت واضح،
لن يحترمك وأنت منهك.


الرحيل في هذه الحالة ليس قسوة،
بل تشخيصًا دقيقًا للواقع.


هو اعتراف شجاع بأنك لا تستطيع إنقاذ علاقة
تقوم على اختلال القوة، ولا إعادة توازنٍ لشخص
يرى ضعفك امتيازًا.


نحن نُربّى خطأً على أن الانسحاب هزيمة،
وأن البقاء بطولة، وأن من يرحل “لم يحتمل”.


لكن الحقيقة أن من يرحل في الوقت المناسب
هو من أنقذ ما تبقّى منه.


الرحيل ليس دائمًا صوت بابٍ يُغلق،
أحيانًا هو صوت عقلٍ يستفيق.


ليس إعلان حرب،
بل توقيع معاهدة سلام مع الذات.


أن تحترم نفسك
يعني أن ترفض أن تكون ساحة تدريب
لمن لا يعرف كيف يكون إنسانًا.


يعني أن تفهم أن الحب لا يُقاس بقدرتك على الاحتمال،
ولا تُقاس الأخلاق بكمّ ما تسكت عنه.


بعض العلاقات لا تحتاج نقاشًا طويلًا،
ولا جلسات مصارحة،
ولا محاولات أخيرة.


تحتاج قرارًا واحدًا…
واضحًا، نظيفًا، بلا ضجيج.
أن تبتُر العلاقة المسمومة
ليس فقدًا،
بل نجاة.


وليس قسوة، بل أصدق أشكال الاحترام للنفس.


ومن لا يفهم هذا، لم يكن يومًا جديرًا ببقائك أصلًا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى