
على بُعد نحو ثمانين كيلومترًا من جيزان، تنهض العيدابي كقصيدةٍ خضراء كُتبت على كتف الجبل، لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُحسّ بالقلب. ليست محافظةً عابرة على خارطة المكان، بل ذاكرةٌ حيّة، وموعدٌ دائم مع الدهشة؛ حيث تتعانق السهول بالقمم، وتنساب الأودية كأنها سطور ماءٍ لا تعرف التوقّف.
هنا تتبدّل التضاريس كما تتبدّل المشاعر؛ سهولٌ تنفتح على الأفق، وهضابٌ تتوسّط الحلم، وجبالٌ شاهقة ترتدي الخضرة وتشدّ الضباب إلى قممها.
جبال صماد، ومصيدة، وفوسان، وخدور، والمعادي، ومنجد، والفقارة، ومزار، والبازخ، والصهاليل، والعزيين، والجبل الأسود… أسماءٌ لا تُقرأ في دليل، بل تُعاش على أرض الواقع، إذ ترتفع آلاف الأقدام، وتغتسل بالمطر، لتغدو الطبيعة لوحةً حيّة تتنفّس على مدار العام.
ومن بين هذه القمم تولد الحكاية ماءً. أوديةٌ كثيرة تنحدر من صدر الجبل، لا تعرف الجفاف ولا النسيان؛ قصي، وجورا، وضمد، والكدمي، ودامس، وصبيا، ووساع، وشهدان، والكدى، والجوة، وجبحة، وضهاية…
أوديةٌ تمضي من الشرق إلى الغرب، وتكتب للعابرين سيرة الخصب والطمأنينة. ويظل وادي قصي، بطوله الذي يقارب ستين كيلومترًا، شريانًا نابضًا يشقّ الأرض من الجنوب إلى الشمال الشرقي، كأنه سفرٌ طويل في قلب الطبيعة.
ولا يكتمل مشهد العيدابي دون همس الشلالات؛ ماءٌ يهبط من عليائه فرِحًا، في شلالات مصيدة العليا وصماد، وشلالات وديان ريع مصيدة وجبحة والجوة والغاوية، وعلى سفوح عيبان وقصي وجورا وضمد والكدمي والجرفة والشرحاء… مشاهد تتدفّق بالجمال، وتُعيد تعريف السكون.
أما القرى الأثرية، فهي ذاكرة الحجر والإنسان؛ معتقة، وخبران، وعكوة، والكتيفة المطلة على وادي الحشوة، تحكي عن زمنٍ مرّ من هنا وترك أثره شاهدًا. وتحتضن الجبال منتجعاتٍ تفتح نوافذها على الروح؛ المذبح، والرقة، والكدي، حيث يستريح الزائر بين دفء المكان وبرودة الأجواء.
العيدابي طبيعةٌ بكر، وجوٌّ معتدل، ووجهةٌ لا تخون المواسم؛ تُزار شتاءً شوقًا للاعتدال، وفي كل وقتٍ حبًّا للجمال. وهي أيضًا أرض العسل، تحتفي به سنويًّا في مهرجانٍ يعكس خيراتها وكرمها، كأنها تقول لزائرها: هنا، تتذوّق الطبيعة نفسها.
وفي سياق إبراز هذا الثراء، سجّل جناح محافظة العيدابي حضورًا لافتًا ضمن فعاليات مهرجان جازان 2026 في منطقة «هذه جازان» على الواجهة البحرية، ليغدو مقصدًا سياحيًّا وتراثيًّا استثنائيًّا. حيث تحوّلت صناعة الخوص من حرفةٍ متوارثة عبر الأجيال إلى فنٍّ متجدّد يزخر بالإبداع والمهارة الأصيلة، لتصبح كل قطعةٍ تحفةً تحكي قصة الهوية الجازانية.
وجذب ركن الحرف اليدوية اهتمام الزوّار والسياح والمهتمين بالتراث، عبر عروضٍ حيّة قدّمتها الحرفية صالحة الغزواني، استعرضت خلالها مراحل صناعة الخوص؛ من جمع السعف بعناية، مرورًا بعمليات النقع والتجفيف، وصولًا إلى جدائل متشابكة تتحوّل إلى منتجاتٍ عمليةٍ وجمالية، مثل الزنابيل، والمجولة، والمهجن، والأواني التراثية، بوصفها مكوّنًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية للمنطقة.
وأكدت الغزواني أن منتجات سعف النخيل والدوم تحظى بإقبالٍ واسع لما تحمله من ارتباطٍ وثيق بالهوية وقيم الاستدامة، مشيرةً إلى أنها تمثّل جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، وتتيح للزوّار تجربةً حيّة للتراث الجازاني في إطارٍ سياحي يجمع بين التعليم والترفيه والتفاعل المباشر.
وأوضحت أن صناعة الخوص تُعدّ مصدر دخلٍ مهمًّا للعديد من الأسر المنتجة، وتسهم في توفير فرص عملٍ مستدامة، ودعم الاقتصاد المحلي، والحفاظ على التراث في آنٍ واحد.
وتبرز صناعة الخوص اليوم كرمزٍ حيٍّ للابتكار، حيث يزاوج الحرفيون بين التصميم العصري والملامس التقليدية، لتغدو منتجًا سياحيًّا فريدًا يروي حكاية المكان للأجيال القادمة، ويضيف بعدًا ثقافيًّا واقتصاديًّا متناميًا.
وهكذا، تشكّل فعاليات مهرجان جازان 2026 منصّةً مشرقة للتعريف بالموروث الثقافي السعودي، حيث يلتقي الجمال بالأصالة، والإبداع بالهوية، وتبقى العيدابي نشيد الجبل… حين يبتلّ بالضباب.








كتبه أ – حمد دقدقي




