
قراءة اجتماعية في تحوّل الثقة إلى تعالٍ وأثر الكبرياء على الفرد والمجتمع
في مسيرة الإنسان يقف المجد بوصفه ثمرة جهد وتراكم نجاح غير أن هذا المجد ذاته قد يتحول دون انتباه إلى بوابة للغرور إذا غاب الوعي وحضر التعالي.
فالفارق بين الثقة المشروعة والكبرياء المذموم دقيق لا يُرى بالعين بل يُقاس بالسلوك والمواقف.
يبدأ الغرور حين تتبدل النظرة إلى الذات فيرى الإنسان ما يملكه سببًا لعلوه على الآخرين لا أمانة تفرض عليه مسؤولية أكبر.
ومع الوقت يصبح المنصب أو المكانة مبررًا للتفرد بالرأي ورفض النقد وتهميش من حوله وكأن النجاح شهادة تفوق أخلاقي لا تُراجع.
وتتعدد أسباب الغرور فبعضها نفسي ينبع من فراغ داخلي أو شعور دفين بالنقص يُغطّى بقناع الكبرياء وبعضها اجتماعي تصنعه بيئة المديح المفرط حين يُرفع الشخص فوق حجمه الحقيقي فيصدق الوهم.
وقد يكون الغرور سلوكًا مكتسبًا ناتجًا عن تقمص دور فرضته سلطة أو جاه فينسى صاحبه أنه في جوهره إنسان قبل أي صفة أو لقب.
ويظهر أثر الغرور واضحًا في العلاقات الإنسانية حيث يتراجع الحوار وتضعف روح الفريق ويحل الصمت محل النصيحة.
فالغرور لا يقبل المراجعة ولا يعترف بالخطأ ويغلق أبواب التطور باسم الكمال.
ومع استمرار هذه الحالة يخسر الإنسان محيطه ويجد نفسه وحيدًا في قمة ظنها إنجازًا وهي في الحقيقة عزلة.
أما السؤال الجوهري: هل الغرور طبع أم فطرة؟
فالغرور ليس فطرة يولد بها الإنسان بل سلوك يتشكل مع الزمن.
قد يكون نتاج تربية غير متزنة أو بيئة تُعلي المظاهر على القيم أو تجربة سلطة لم تُرافقها محاسبة ذاتية.
والخطر الحقيقي حين يتحول الغرور إلى قناعة راسخة لا يرى صاحبها نفسه إلا محقًا وغيره مخطئًا.
وعلى مستوى المجتمع فإن الغرور يترك أثرًا سلبيًا عميقًا إذ يضعف الثقة ويهدر الكفاءات ويحوّل العمل من تكامل إلى تنافس سلبي.
فالمجتمعات لا تنهض بالأفراد المتعالين بل بالعقول المتواضعة التي تؤمن بالشراكة والعدل.
إن الرسالة الإصلاحية هنا واضحة: التواضع لا ينتقص من القيمة بل يثبتها.
والهيبة لا تُبنى بالصوت العالي بل بالفعل الصادق. فالمناصب زائلة والمكانة مؤقتة ولا يبقى للإنسان إلا أثره في نفوس الناس وسيرته بعد الرحيل.
وفي النهاية يبقى المجد الحقيقي هو ذاك الذي يرفع صاحبه دون أن يُسقط غيره ويمنحه الثقة دون أن يفقده إنسانيته.
فحين يتحوّل المجد إلى غرور تبدأ أولى خطوات السقوط حتى وإن بدا الطريق صاعدًا.



