
تحت شعار التسامح،
يختبئ أحيانًا وجهٌ آخر
لا يشبه النقاء الذي تُرفع به الشعارات.
فليس كل من قال “سامحتك” كان قلبه أبيض،
ولا كل من ابتسم كان صدره خاليًا من الحسابات.
هناك من يتخذ من التسامح قناعًا،
يلبسه حين يحتاج،
ويعلّقه على الجدار
حين يكتفي.
يقترب بعبارات دافئة،
وكلمات لينة،
ويطرق الأبواب بوجه الودّ
بينما في داخله دفترٌ قديم
يسجل فيه المكاسب والخسائر.
الخيانة لا تأتي دائمًا على هيئة طعنة صريحة،
أحيانًا تأتي على هيئة
عناق طويل،
وكلمات مطمئنة،
ووعدٍ مدهون بالعسل.
تأتيك من شخص
كنت تظنه ملاذك،
فإذا به محطة عبور لا أكثر.
بعضهم لا يريد التسامح،
هو يريد فتح الأبواب فقط
ليعبر إلى مصلحته.
فإذا وصل،
أغلق خلفه الأبواب
ونسي من وقف له على العتبات.
الغدر الحقيقي
ليس في أن يرحل شخص،
بل أن يرحل بعد أن يأخذ ما يريد
ثم يقنعك أنك أنت المقصّر.
أن يستخدم طيبتك دليلًا ضدك،
وصبرك سلّمًا يصعد به،
ثم يدّعي أن وصوله كان بجهده وحده.
كم من يدٍ امتدت للمساعدة
قُطعت بالجفاء،
وكم من قلبٍ احتوى
قوبل بالنكران.
وكم من نصيحةٍ صادقة
تحولت في أفواه البعض
إلى قصة ينسبونها لأنفسهم.
يتحدثون عن الصفح
وهم أول من لا يصفح،
يرددون كلمات الرحمة
وهم أبعد الناس عنها،
فالتسامح عندهم موسم،
وليس خُلقًا دائمًا.
يظهرون عند الحاجة
ويختفون عند الوفاء،
فإذا احتاجوا عادوا
بوجوه جديدة
وكأن الذاكرة قصيرة
وكأن القلوب بلا أثر.
لكن الحقيقة البسيطة
أن القلوب ليست دفاتر تمزق صفحاتها متى شئنا،
ولا الأرواح جسورًا نعبرها ثم نهدمها.
فالذي يغدر مرة
سيعيش عمره يخشى أن يُغدر به،
والذي يخون المعروف
سيقف يومًا محتاجًا
ولا يجد يدًا تمتد له.
التسامح الحقيقي
لا يطلب ثمنًا
ولا يرفع لافتة،
هو شعور نقي
يعيش في النفوس الصادقة فقط.
أما التسامح المزيّف
فهو صفقة مؤقتة
تنتهي بانتهاء المصلحة.
وفي النهاية،
لا يخسر الطيب حين يُخدع،
بل يخسر المخادع
حين يعتاد الخداع.
فالقلوب النقية
قد تتألم،
لكنها تبقى نظيفة،
أما القلوب الملتوية
فتربح موقفًا
وتخسر نفسها على المدى الطويل.
ويبقى الزمن
أصدق كاشف للوجوه،
يعيد لكل إنسان صورته الحقيقية،
دون أقنعة،
ودون شعارات.



