
مرآتي تناديني وكأن شىء مشتركاً خفياً بيننا !!
في كل صباح ، أجيبها ابادلها التحيات ، والإبتسامات ، وخيل ليّ ان المرآة تعشق عينييّ الدعجاوين وقدي الممتلىء بصدر فتي ومتوتر ، وتملكني حالة من اللطف فأهديها باقات من الورد التي اجلبها كل مساء ،بحيث أطوق عنقي فأشعر بصفاء وجهها كأنها تشكرني ،اتعمد الاقتراب منها لكي تتدلى خصلات شعري حول اطارها ، اي رقة طغت على وجداني حتى في صمتي ابادلها غراماً.
في يوم ما كنت أشعر بشغف اللعب في الرمل المبلل بقطرات المطر تسكب في صفوف المراحل المترجلة السريعة من عمر الطفولة فعندما تموت ذكرى تعيش أخرى .
كان في إحدى مراحل العمر صوت طفلة ممتزج برقة الندى كلما هلت حبات المطر تبلل الرمل على خصر حفرة صغيرة تزيدها خصلات شعري قطرات من بقايا غيث طفلة ، حينها نظرت إلى السماء وبادلتني النظرة وأيقظت بصدري بذرة وزهرة بيضاء زاهية ،لتبدأ أجمل رواية وأجمل لحظات عمري وأنا أبتسم للسماء وأتراقص لقطرات المطر وكل قطرة تمازحني وتقف على رمشي بكل رقة وفرح وبقلبي حكي لاتستوعبه غيمة .
بهدوء رحلت وأخذت ظلي الصغير المتمسك بثرى قدماي الصغيرة لكنها كانت لطيفة جداً ولم تؤذ قلبي رحلت وعلى وجهها إبتسامة ، رحلت لتخبرني أن الطفولة لاتدووم طويلا، لوحت لها وأنا مبتسمة وأمسح بيدي اليسرى عمر الشقاوة عمر اللا مبالاة عمر طفلة .
تشابهت السنوات بكل شيء ، إلا العمر ، لقد كبرت الطفلة وأصبحت فتاة ، ،عند عودتي من مدرستي أجمع كل الاعداد وأقسمها على أصابعي وأطرح قوتي وأضرب طريقي ، وبيوم من الأيام وعندما اختارت معلمتي اسمي حتى أكتب اليوم و التاريخ وإذ بي أكتب تاريخ العمر وأقلب صفحاته .
نعم لقد شعرت بذلك عندما سمحت لي المعلمة باستبدال القلم الرصاص بالقلم الحبر كي أفهم حينها أن أي خطأ نقع فيه له حساب ولايمحو إلا بتوبة أو تغير الاتجاه بعزيمة قوية .
ففي نهار يوم من الأيام ،وعندما أشرقت فوق رأسي الشمس وأنا أتبع ظل المسافة و أحزم حقيبتي ذات اللون الوردي كأنها زهرة عمري الزاهية ، كبرت وذلك التاريخ لاينسى ،!! وأحببت لون العباءة والطرحة التى كانت فيها رائحة حب أمي عباءة سوداء ناعمة شممت فيها رائحة الحياء والأنوثة والعفة.
اشترت لي أمي العباءة والطرحة السوداء لقد فرحت بها كثيراً لتكتب في خطوات الحشمة وفي آخر مرحلة لي كفتاة تنصت لحديث العابرين وتنظر بعيون الغرباء بحياء وتتعرف على الفرق بعلبة الألوان ، وتخاف أن يتسارع الوقت ويتركها ، كنت أحتجز مقعدًا متوسطًا بحافلة المدرسة وعند انتهاء المرحلة نظرت بمرآة الحافلة وإذ أنا أشاهد امرأة ، فابتسمت عندما شاهدت الفتاة قد أصبحت امرأة لتجمل عينيها بالكحل والنقاب ،تجنبت الحوار الكثير .
أصبحت أحب العزلة وأنجذب لقراءة القصص واعشق الحكايات الغرامية أحب الليل والهدوء وصديقتي المفضلة هي المرآة !!
لاتمربي ساعة زمن إلا وأنا أمام المرآة .
ربما المرآة تناديني أو كأن شيئًا مشتركًا فيما بيننا و في هذه المرحلة فرحت بملامح وجهي ومحيطها الهادئ و في كل صباح كنت أستيقظ وألقي صباح الخير يامرآتي ياشبيهتي بكل شيء ، حتى أغرمت بها وأغرمت المرآة بجمال عيني.
كنت أقطف الورد وأذهب مسرعة حتى أرى جمال الورد في وجه المرأة ، لقد كان يعكس شغف حبي للحياة لترتسم اجمل صورة تحاكي كل فراغي ولتعكس ملامح السعادة على محياي ، وتنفض عني غبار الصمت والحيرة والانتظار وماتخفي من عيوب وما قد تخفيه تحت إطارها ويحتبس في جبين المرأة مابين عرق وجبين ،لتبقى بريقها مضيء حتى أعود اليها مرة آخرى .
أقف لساعات طويلة كي أتأمل خصلات شعري وأحدق بلون فستاني وكل ملامحي في المرآة !!
أمسح عنها الغبار بطرف كمي فتبتسم لي وتحكي لها عن أسرارها من فرح وحزن وطيش .
وأي طيش لقد تناسيت بانني تلك المرأة الرقيقة كل شيء يخصها كل شيء بعينيها لم يكد يتحرك إلا للمرآة كلما عبرت من أمامها شعرت بشوق لها والتفت وكأنها مسيطرة على كل تفكيري وفي زوايا المرآة، ابعادها وقربها توطدت علاقتي إلى أبعد حدود وتخطى حدود الثقة بيننا ، حتى وإن سقط رمش عيني لجأت للمرآة ، وكأنها قد خلقت من ضلعي أشتكي لها عن كل ذنوب الحياة وتنصت متفهمة كل حديث مشوق ومكنون وكل شيء قد بات يهدد ضجيج سكونها يقلقني ،أضع مشط شعري بجانب المرآة حتى أخلق عذراً مقبولاً كي أعود كلما انتقضت جديلة من شعري كانت حجة لاعيد فتل جدائلي وأعود مرة أخرى وأتحدث لها بصمت.
يوماً ما أخبرتها بأن المرأة التى أمامك قد كانت بيوم من الأيام طفلة ثم فتاة توسدت في امرأة جميلة وكل شيء بالحياة الآن هو جميل ،أخبرت المرآة عن مظهر طلاء الاطافر ولونه المحبب لدي .
أغرمت بالمرآة بكل صدق وثقة وحان الأوان والوقت البعيد لزرع السنوات ورود تسقى بشغف او أوهام وكان شيء مختبئ خارج إطار المرآة يزعزع أمان المرآة وهي تشعر بالخوف وتلود بالهروب منه ،وتصنع لنفسها أكثر من تبرير طالما خشيت من شيء واحد وهو الكسر حتى أنها بلحظة ما قد وقع ماقد كانت تخشاه كأنها كسرت في أقل توقيت وكل منافذ للهواء أغلقت أوصدت كل أبواب ونوافذ المشاعر وتبدلت من وجه مرآة جذاب الى عزلة وغربة روح وصلت إلى مكان غامض لا تزورها إلا الوحدة ، لجأت إلى فقط لا تكاد ترى أي شيء بحجرتها كأن الضوء منطفي تماما والسماء بلا قمر او نجوم .
تسأل ودمعها من حمل ثقيل غير مترجم بحقيقة ضلت صامته قليلا تم تتنهدت لتستعيد زفير انفاسها الذي ضبب وجهها ،بلا همس ولا صوت لقد كسرت ياعزيزتي من الحياة ارهقني حتى انني اشعر بقوتي لا تسعفني جعدت سطوري ومزق الكتمان اوراقي البيضاء ،لمً أعد اجد لهذا الشعور متسع من قوتي متهالكة ونوعا ما اتطاهر بالقوة امام الضوء وفي الظلام اضمد جرح يتعمق سطور حريتيي .
اتمنى لوكنت استطيع ان ارمم ذاك المكان المجوف في عمق حزني وافراحي فسألتها ؟؟
ايتها المرآة العزيزة !! هل كسرتي من غالي فجرح الأشخاص المقربين من حنايا الروح أشد واقسى من جروح الغرباء عنا ،عندما تسأل احداً ولاتنتظر منه مبررات ودواعي الأجابة يكن خطأ فادح .
للأسف لم يعد هناك مجال للإجابة عن نفسها الحائرة طالما جملني وجامل ثورات غضبي وأطفأ شرار دخاني المتصاعد من وسواس الضجيج الصاخب ، طالما أصمت أذني عن تمائم شياطين الأنس ورسمت بقلم الروج الأحمر ابتسامتي على وجهها في كل صباحاً مشرق ،حتى أضمد وأتناسى الكسر الذي يتفاقم ربما الحقيقة في نمط سؤالي لها كبرياء وغطرسة ، تناسيت أنها رقيقة جداً نسيت وتناسيت أنها مثلي تمامًا خلقت أو صنعت من الرمل ، أتذكر كل شفقة وأذكر لها الرحمة كلما بكيت بكت معي ، وكلما زاد بي الوجع ذكرتني بانني تلك المرأة القوية ، قد تكون هي من قد خلقت للانكسار أوأنا وأنت كلانا نتحمل ونحمل كل الملامح وكل الصفات ثم أدركتني غفوة في ثانية وعندما غفوت طويلاً والمرآة على صدري .
تسللت المرآة وكانها ليلة القدر المكتوب ،على ثقل الشعور ارتطمت بالأرض وكسر نصف الإطار كسرت من الجهة التى كانت تشرق بعيون فاتنتها وعندما أفقت من غفوتي ، على صوت طالما كنت أخشاه في نفسي وعلى غيري .
تدلت قدماي من على السرير بخفة حين ذلك سمعت صوت حطام أرجع ذاكرتي إلى صوت المطر والرعد والبرق والركض حافية القدمين ذكرت عندما كنت أجمع بكفي شوق المطر وأنا أضحك للبشائر وإذ بي وأنا أجمع تعب السنين في شعور غريب قد تخلل من داخلي لم أستشعره لقد عثرت مابين الشضايا المتفرقة سنوات ضائعة في امرأة ، وجوه من حولي في رسوم المزهرية القديمة على جدار الغرفة وفي الستارة المنسدلة على غبار الوحدة وفي المرآة المتكسرة الى أجزاء كل جزء يحكي قصة في كل مرحلة عمر يكتب خطاب ولكل مرحلة دمعة ، متجمدة من برودة الصمت الأخرس وملتهبة بداخل زوايا الآطار في عروق ونبض وجبين المواقف المشرعة بالذاكرة المفقودة .
مهما تغيرنا الظروف ويضيع منا نصف الكلام ويحول عام بعد عام هناك مابين الإجابة سؤال !! ينصب في ضلع المرأة بقايا قديمة مخبأة مابين الحقيقة والذكرى وتناهيد برواز.
إلى هنا وامتلأ وجه المرايا ضباب عندما يكون الصمت…. صوت امرأة .
عاشت بصدر الأوراق طفلة وفتاة وتجسدت امرأة في برواز بجانب السرير وخلدت ذكرى امرأة .

للكاتبة : ليلى حكمي



