
في قديم الزمان ، كان أجدادنا يجلسون في حلقات العلم ، يستمعون إلى الشيوخ ، ويحفظون المتون ، ويقضون الليالي في استنباط الأحكام من بطون الكتب ذات الأوراق الصفراء التي تفوح منها رائحة الحبر والورق العتيق .
أما اليوم ، فقد ورثنا عنهم (التابلت) و (الهاتف الذكي) ، وظهر فينا (جيل Z) الذي استبدل شيخه الوقور بـ (شيخ) من نوع آخر :
شيخٌ لا ينام ، ولا يمل ، ولا يطلب منك الهدوء في حلقته ، اسمه (الذكاء الاصطناعي) .
لكن كما تختلف أصابع اليد الواحدة ، اختلف أبناء المسلمين في تعاملهم مع هذا الوافد الجديد ، وانقسموا إلى فريقين لا ثالث لهما :
فريق (الأذكياء) وفريق (الأغبياء بامتياز) .
الفريق الأول : العقلاء الذين أخذوا من الذكاء الاصطناعي قشوره وتركوا لُبّ
هؤلاء هم صفوة القوم وعقلاؤهم .
أدركوا أن هذا (الشيء) ليس إلا آلة حاسبة متطورة ، أو سكرتيرًا إلكترونيًا لا يطلب راتبًا .
فتجدهم يستخدمونه بذكاء وحذر .
يطلب أحدهم من الذكاء الاصطناعي أن يلخص له بريدًا إلكترونيًا طويلاً ومملاً ، أو أن يصيغ له دعوة عشاء بأسلوب رسمي ، أو حتى أن يقترح عليه قائمة مشتريات للبقالة .
استخداماتهم بسيطة ، روتينية ، هدفها اختصار الوقت والجهد في توافه الأمور ، تاركين عقولهم للتفكير في الأمور الجادة والمصيرية .
هؤلاء هم الذين فهموا اللعبة ، فصفقوا للآلة على سرعتها ، لكنهم احتفظوا لأنفسهم بكرسي القيادة .
الفريق الثاني : الحمقى الذين سلّموا عقولهم للآلة وأعلنوا ولاءهم للخوارزميات
وهنا تبدأ المأساة الكوميديا .
هذا الفريق قرر أن يعيش حياة (بالريموت كنترول) ، والريموت في يد الذكاء الاصطناعي . وينقسم هذا الفريق إلى طوائف شتى ، لكل طائفة غرائبها وعجائبها :
طائفة (المستفتين) : هؤلاء وجدوا في (المفتي شات جي بي تي) ضالتهم .
يسألونه عن حكم أكل لحم (الديناصور) لو عاد للحياة ، وهل يجوز الوضوء بـ (الكوكاكولا) عند انقطاع الماء .
وإذا سألته عن مصدر فتواه ، أجابك بثقة :
(لقد استفتيتُ قلبي… والذكاء الاصطناعي!) .
أصبح لديهم فقه جديد اسمه (الفقه السيبراني) ، وشيخهم الأكبر هو (الإمام شات جي بي تي قدس الله سره) و الذي يفسر لهم الرؤى في أي وقت .
طائفة (المتقاضين) : قرر أحدهم أن يوكل الذكاء الاصطناعي ليكون محاميه في قضية ميراث معقدة .
وعندما سأله القاضي عن دفاعه ، قدّم له ورقة مطبوعة من (شات جي بي تي) تبدأ بعبارة :
(بصفتي نموذجًا لغويًا كبيرًا ، لا يمكنني تقديم استشارة قانونية… ولكن ، إليك بعض النقاط التي قد تساعدك) .
لا تسأل عن مصير القضية ، فقد خسرها قبل أن تبدأ .
طائفة (الشعراء الرقميين) : يطلبون من الذكاء الاصطناعي كتابة قصيدة غزلية لحبيبتهم ، فتأتيهم قصيدة بلا وزن ولا قافية ، أشبه بتقرير فني عن (مشاعر الحب الافتراضية) .
أبيات باردة لا نكهة لها ، كأنها كُتبت بيد روبوت يصف دائرة كهربائية .
ثم ينشرها بفخر على وسائل التواصل الاجتماعي مع عبارة (من وحي إلهامي اللحظي) .
أي إلهام يا هذا . .
رقائق الخوارزميات لا توحي بالشعر
طائفة (خبراء العلاقات الأسرية) : وهؤلاء هم الأكثر إثارة للشفقة .
يسألون الذكاء الاصطناعي :
(كيف أتعامل مع زوجتي الغاضبة؟)
أو
(ماذا أقول لأمي إذا رفضتْ خروجي مع أصدقائي)
فيأتيهم رد جاف ومنطقي ، يصلح لإصلاح جهاز كمبيوتر ، لا لإصلاح علاقة إنسانية .
يذهب ليطبق النصيحة الآلية على والدته ، فيجد نفسه أمام عاصفة من الغضب لم تكن في حسبان الخوارزمية .
في النهاية ، يبدو أننا نعيش في عصر فريد من نوعه ، عصر يختبر فيه الذكاء البشري في مواجهة الذكاء الاصطناعي .
فبينما يستخدمه البعض كأداة نافعة تخدم عقله ، قرر البعض الآخر أن يضع عقله في إجازة مفتوحة ، ويسلّم دفة حياته لآلة صماء .
وهكذا ، أصبحنا نرى جيلاً يسير على هدى (الخوارزميات) ، يتلقى علمه وفقهه وشعره وحتى مشاعره من خوارزميات لا تفقه من الحياة إلا ما لقّنها إياه المبرمجون .
فإلى أين المسير يا أبناء أمة (اقرأ) ؟



