
المنصب في حقيقته اختبار، لا تكريم.
كرسي يُظهر للناس من أنت أكثر مما يرفعك فوقهم.
حين تجلس عليه تتسع أمامك الصلاحيات،
لكن في الوقت نفسه تضيق مساحة الأعذار.
أثناء توليك للمنصب،
يناديك الناس باسم موقعك لا باسمك،
يبتسم لك الكثيرون،
ويقترب منك من لم يكن يعرف طريقك.
تُفتح الأبواب،
وتُرفع لك المقاعد،
وتُحسب كلماتك بدقة
وكأنها أوامر حتى وإن كانت عابرة.
لكن الحقيقة القاسية أن المنصب يُعيرك الهيبة ولا يملكها لك.
هو ظلّك ما دمت في الضوء،
فإذا تحرك الضوء، تحرك الظل أو اختفى.
القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد من صافحوك،
بل بعدد من دعوا لك في غيابك.
ولا بعدد القرارات التي وقّعتها،
بل بعدد القلوب التي أنصفتها دون أن تُجبرك الأنظمة.
هناك من يتعامل مع المنصب كغنيمة،
فيملأ أيامه بالاستعراض،
ويملأ ملفات الناس بالانتظار،
ويظن أن البقاء مضمون.
هؤلاء حين يرحلون
يُسحب الكرسي من تحت أسمائهم
وكأنهم لم يجلسوا يومًا.
وهناك من يرى المنصب مسؤولية عابرة،
فيخفّف عن الناس لا يثقلهم،
ويفتح بابًا بدل أن يغلق عشرة،
ويترك أثرًا في النفوس قبل الأوراق.
هؤلاء إذا غادروا
شعر الناس أن شيئًا نادرًا انطفأ.
عند مغادرتك للمنصب
تسقط الألقاب سريعًا،
ويبقى اسمك مجردًا من كل زينة.
هنا فقط يظهر الرصيد الحقيقي:
هل يذكرك الناس كفرصة ضاعت؟
أم كعبءٍ زال؟
الفراغ الذي تتركه خلفك
هو ميزان سيرتك.
إن افتقدك الناس
فقد ربحت إنسانيتك.
وإن لم يلحظوا غيابك
فاعلم أن الكرسي كان أكبر منك، لا أنت أكبر منه.
نحن لا نورث أبناءنا أرصدة فقط،
بل نورثهم سمعةً تفتح لهم الأبواب أو تغلقها،
نورثهم دعوات صادقة
أو ذكريات مُرّة.
وفي نهاية الطريق
لن يسألك أحد كم سنة بقيت في المنصب،
بل كم إنسانًا نهض بسببك،
وكم مظلمة توقفت عندك،
وكم باب أمل فتحته دون أن تنتظر شكرًا.
المنصب مرحلة،
أما الأثر فهو الخلود الوحيد المتاح للإنسان.



