مقالات

بين الجاذبية ورؤيا المنام: أين يبدأ المكان وأين ينتهي الزمن؟

كتبه محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

نحن نعيش في عالمٍ نتصوّر أنّ المكان فيه واسع بلا حدود، وأنّ الزمن ممتدّ لا ينقطع. غير أنّ هذا التصوّر، على شيوعه، يخفي حقيقة أدقّ: فالمكان والزمان في عالم المادّة، رغم اتّساع الكون، ليسا مطلقين، بل مشروطين ومحدودين.

في الحياة المادّية، لا يظهر المكان إلا حين تحكمه مؤشّرات واضحة؛ أهمّها الجاذبية. حيث توجد الجاذبية يوجد الاتجاه، وحيث يوجد الاتجاه يمكن للإنسان أن يحدّد موضعه، وأن يقيس حركته، وأن يحسب الزمن. فالمكان هنا ليس فراغًا مفتوحًا، بل حيّزًا مضبوطًا، والزمن ليس شعورًا، بل تعاقبًا تُحصيه الساعات والأيام.

لكنّ هذا الانضباط الصارم لا يمتدّ إلى كل أشكال الوجود. فحين ننتقل من عالم المادّة إلى عالم الإدراك والمعنى، تبدأ هذه القوانين في التراخي، بل في الاختفاء أحيانًا. يكفي أن نتأمّل تجربة (الحلم): الإنسان في منامه ينتقل من مكان إلى آخر دون مسافة، ومن مشهد إلى مشهد دون اتجاه، لا تحكمه جاذبية، ولا تُلزمه أفلاك، ولا يشعر بزمنٍ يمضي على هيئة دقائق وثوانٍ. قد لا تستغرق الرؤيا في الزمن المادّي أكثر من ثوانٍ معدودة، لكنها في الإحساس الداخلي تمتدّ ساعات أو أيامًا كاملة.

هنا تنقلب المفارقة: فالزمن المادّي، وإن بدا طويلًا بحساب الساعة، هو في حقيقته أقصر من الزمن المعنوي؛ لأنّه زمن مقاس، بينما الزمن في الإدراك زمن تجربة. في الأوّل نحسب، وفي الثاني نعيش.

وتزداد هذه الصورة وضوحًا إذا نظرنا إلى الكون في شموليّته. فالكون كلّه ليس مكانًا بالمعنى الذي نعرفه، ولا زمنًا كما نقيسه. إنّ المكان والزمان لا يتحقّقان إلا حيث توجد الكتلة، وحيث ينشأ الجذب؛ أي حول كوكب، أو نجم، أو منظومة مادّية قابلة للتأثير. وهذه، قياسًا إلى الكون بأسره، لا تشكّل إلا نسبة ضئيلة جدًا. ما يعني أنّ حتى المكان والزمان في عالم المادّة نفسيهما منحازان إلى أفق محدود، بينما يبقى معظم الكون خارج هذا التعريف المألوف للمكان والزمان.

ولعلّ في القرآن إشارة لافتة إلى هذا المعنى حين يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ {النحل:16}

فالعلامات هي المؤشّرات التي تعرّف الموضع، أمّا النجم فليس مجرّد ضوء في السماء، بل مركز جذب يحدّد الاتجاه. وبهذين معًا تقوم الهداية في العالم المادّي: معرفة أين أنت، وإلى أين تتّجه.

أمّا في عالم المعنى، فالهداية لا تحتاج إلى نجم في السماء، لأنّ مركز الجذب يكون في الداخل، في الوعي ذاته.

من هنا يمكن القول إنّ المكان والزمان ليسا حقيقتين مطلقتين، بل حالتين تظهران حيث تتوافر شروطهما، وتغيبان حيث تنتفي هذه الشروط. وما نعدّه بديهيًّا في حياتنا اليومية ليس بالضرورة قانونًا شاملًا للوجود، بل صورة من صور إدراكنا له فحسب.

وربما كان السؤال الأهمّ في النهاية ليس: أين نحن في المكان؟ ولا: كم مضى من الزمن؟

بل: أيّ حياة نعيش؟ حياة تقاس… أم حياة تُدرك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى