مقالات

صوت المكبس وصدى اليقين

بقلم 🖌: فهد بن إسماعيل السبعي

في أيام جائحة كورونا، حين كانت الدنيا ساكنة إلا من صوت الصبر والرجاء ، وكان الناس بين قلقٍ ورجاءٍ وحذرٍ وترقّب، كنت أنا أقف في زاوية المزرعة أمام مكبسٍ من شركة سابتك، اشتريته لأعمل به على كبس الكرتون.

كانت تلك الأيام مختلفة…


كل شيء حولي بطيء إلا عجلة الأمل التي تدور في قلبي.

كان سعر الكرتون مرتفعًا في ذلك الوقت، والطلب عليه متزايدًا، حتى شعرت أن هذا المشروع الصغير سيكون باب رزقٍ فتحه الله لي في زمنٍ أُغلقت فيه الأبواب. كنت أعمل بيديّ وأسمع صوت المكبس كأنه نبض حياةٍ جديد، يحمل في كل بالة كرتون معنى الجدّ والاجتهاد.

ومع مرور الشهور، بدأت الأسعار تهبط شيئًا فشيئًا، حتى وصل الطن من 980 ريالًا إلى 250 ريالًا فقط.
تبدلت الأحوال، وخيّم الصمت على ذلك المكان الذي كان يعجّ بالحركة.


أصبحت أزور المكبس كمن يزور صديقًا مريضًا، أعرف أن لا فائدة تُرجى من زيارته، لكن الوفاء يدفعني إليه.

في أحد الأيام قررت بيعه.

عرضته في موقع حراج بمبلغ 15 ألف ريال، وانتظرت.


لم تمضِ سوى أيامٍ حتى اتصل بي رجل، وقال إنه مهتم بالمكبس ويريد رؤيته. جاء في اليوم التالي، رجل يبدو عليه الجِدّ، فحص الآلة، جربها، تأمل أداءها، قاس البالة التي تنتجها، ثم التفت إليّ وقال:
– والله يا أخي ما معي إلا 12 ألف ريال، والله محتاجه.

نظرت إليه، وترددت، فقلت بهدوء:
– السعر في الإعلان واضح، خمسة عشر ألفًا.

لكنه أخذ يكرر، بنبرةٍ فيها ضعف ورجاء:
– ما أملك غيرها، ساعدني جزاك الله خير.

كانت كلماته ثقيلة على القلب، فيها صدق الحاجة، وفيها استعطاف الإنسان.

صمتُّ قليلًا، ثم قلت له:
– خذه ، بارك الله لك، ولعل الله يكتب لي خيرًا منه .

ابتسم بامتنان، ومدّ إليّ المبلغ، وقال إنه سينقل المكبس إلى قرية وتيشة القريبة من قريتنا.
فقلت له:


– خذه جرّبه، وإذا صلح معك، حوّل لي المبلغ.

غادرت المزرعة، وكنت في الطريق العام حين تسللت إلى نفسي فكرة أربكتني.

قلت في سري:


“ما الذي فعلته؟ سلّمت المكبس دون ضمان، ولا إيصال، ولا كلمة تثبت حقي!”
لكنني سرعان ما هدأت نفسي، وقلت:


“ما دام قلتها لله، فلن أرجع في كلامي. إن كان فيه خير، سيرده الله إليّ، وإن لم يكن، فحسبي الله ونعم الوكيل.”

مرّت خمسة أيام وأنا أتصل بالرجل، لا يجيب.

كنت كلما رفعت الهاتف أحسست بشيءٍ من الحسرة، لكني كنت أقاومها بالإيمان.


وفي اليوم الخامس، ذهبت إلى المزرعة، فإذا بي أرى المكبس في مكانه!


اقتربت منه، كان يبدو مستهلكاً ، كأنه أنهك من طول العمل.


فتحت غطاء الزيت، فإذا به ناقص، وآثار التشغيل بادية عليه.

اتصلت عليه وقلت:
– أعطني على الأقل قيمة الزيت الذي استهلكته.


فقال ببرودٍ جارح:


– ولا ريال، المكبس ما ناسبني.

لم أجادله. اكتفيت بالصمت.

ذهبت إلى المحطة المجاورة، اشتريت طربالًا بثلاثين ريالًا لأغطي به المكبس.


صعدت فوقه لأحميه من المطر والغبار، وبينما أنا هناك يهتز جوالي في جيبي.


تجاهلته حتى انتهيت، ثم أجبت.

كان صوتًا جديدًا، بلهجة سودانية طيبة يقول:

– السلام عليكم، أنا شفت إعلانك في حراج، وأريد أشتري المكبس.


قلت له دون تفكير، وبنبرةٍ فيها حسم:


– السعر ثلاثون ألف ريال.


قال مترددًا:


– كثير شوي، ما تنزل؟


قلت:


– لا والله، هذا أقل من قيمته، ولن أنقص ريالًا واحدًا.

سكت قليلًا، ثم قال بهدوء الواثق:

– أرسل لي رقم حسابك.

أرسلته.

ولم تمر سبع دقائق حتى وصلتني رسالة البنك: إيداع 27,000 ريال.


وبعدها بثوانٍ رسالة أخرى: إيداع 3,000 ريال.

ثم اتصل عليّ وقال بصوتٍ مملوء بالثقة والصدق:

– أنا لا أعرفك، ولا تعرفني، لكني والله وثقت فيك من صوتك.


حولت المبلغ كاملًا، وأرجوك ترسله للرياض.

وقفت صامتًا، أنظر إلى هاتفي، وأتنفس دهشة ممزوجة بشكرٍ لله.

قلت له:


– تم، تبشر و الله

ذهبت إلى الظبية، استأجرت شاحنة بـ900 ريال وونش بـ350، وحملت المكبس وشحنته إلى الرياض.

وقفت أراقب الشاحنة وهي تبتعد، والمكبس يلوّح لي بصمته الحديديّ وكأنه يقول: من ترك لله شيئًا، عوّضه الله خيرًا منه.

في تلك اللحظة فقط، فهمت أن الله لم يمنع عني البيع الأول إلا ليهبني رزقًا أنقى، وأوسع، وأجمل.

تعلمت أن بعض الخسائر ليست إلا بوابةً خفيةً إلى الربح، وأن الصدق في النية لا يضيع، وأن الرزق ليس في الأرقام، بل في بركة التقدير.

فسبحان من يعلم النيات، ويكتب الأقدار بميزانٍ من عدلٍ ورحمة.

ومن صدق مع الله، لم يُضيّعه الله أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى