آداب

جبل الدقم.. حكايةٌ صاغتها الريح ونسجها الخيال

أحمد بن هبه بن علي هادي

يقف جبل الدقم شامخاً في الأفق، شاخصاً كحارسٍ أزليٍّ أضناه التعب، فتركت صروف الدهرِ وعوامل الطبيعةِ على جبهتهِ ندوباً لا تُمحى. لقد كان للرياح العاتية، ولذرات الرمال التي نحتت صخرهُ عبر العصور، اليدُ الطولى في تبديل ملامحه، حتى استحال إلى هيئةٍ تبعث في النفسِ مهابةً ممتزجةً بالوجل، وكأنه وجهٌ صخريٌّ غاضبٌ أطلَّ من غياهب التاريخ.

لقد تلاعبت الطبيعةُ بتضاريسه، فحفرت في أحشائه كهوفاً غائرة، وممراتٍ مظلمة، جعلت من صمته ضجيجاً يملأ رؤوس العابرين. ومن رَحِم هذا الشكل المخيف، ولدت الأقاويلُ ونسجت “الأعاريبُ” حوله خيوط الأساطير؛ فلم يقف العقل عند حدود التفسير الجيولوجي، بل انطلق الخيالُ الشعبيُّ يصبغ عليه ثوباً من الغموض، حتى شاع بين الناس أنَّ الجبل مسكونٌ بعالمٍ آخر، وأنَّ أزيز الريح في فجواته ما هو إلا همساتٌ من الجن الذين اتخذوا من صخوره مستقراً.


ولم يقتصر الأمرُ على هواجس الخيال، بل إنَّ تلك الفجوات الموحشة استغلتها بعض النفوس التي آثرت التخفي، فاتخذها المجهولون ملاذاً، واستوطنها ضعاف القلوب ممن يقتاتون على إخافة الناس، مما زاد من وحشة المكان وعزز من روايات الغموض التي تُحيط به. فصار جبل الدقم ليس مجرد كُتلةٍ صخرية، بل هو “ملحمةٌ مكانية” تداخلت فيها الحقيقة الجيولوجية بأوهام البشر، ليظلَّ شاهداً على أنَّ الطبيعة حين تنحت الصخر، قد تنحتُ معه في قلوب الناس قصصاً لا تموت.

جبل الدقم.. بين النحتِ والأسطورة

دُقْـمٌ يطاولُ في الفضاءِ سحابا … صَـخـرٌ بـهِ كـتـبَ الـزمـانُ كـتابا

نَـحَتَتْ عَـواملُها الطبيعةُ وجـهَهُ … فـبَـدا مُـهـيـبـاً يُـرعِـبُ الألـبابا

قـد غَـيَّـرتْ مِـن شكلِهِ ريحُ السَّفا … حـتـى غَـدا لـلـخـائـفـينَ عَـذابا

فـتـحتْ بـأحـشـاءِ الـجبالِ كُهوفَهُ … فـتـنـافَـضَـتْ مِـن حولِهِ أوصـابا

قـالـوا بـأنَّ الـجنَّ تـسكنُ صمتَهُ … ورَوَوا عـلـيهِ قـصـائـداً وعِـجابا

نَـسَـجَـتْ حَكايا النَّاسِ حولَ ظِلالِهِ … وَهْـمـاً يُـلَـفِّـعُ صَـمـتَهُ جِـلـبابا

يـأوي إلـيـهِ الـمُـختفي بمجاهلٍ … فـتـزيدُ فـي قـلبِ الـضعيفِ رِهابا

لا تـعـجَبوا إنْ صـارَ رمزَ أساطرٍ … فـالـدُّقـمُ نـادَى لـلـغُـموضِ أجابا

Binheba@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى