
لم يكن انفعال الإنسان بالجمال يومًا أمرًا عابرًا أو طارئًا، بل هو استجابةٌ ضاربةٌ في جذور النفس، تعود إلى اللحظة الأولى التي واجه فيها الإنسان الظلّ والضوء، وتعرّف فيها على الألوان واتّساع الفضاءات.
فالعلاقة بين الإنسان والطبيعة لم تُبنَ على المنفعة وحدها، بل تشكّلت عبر حسّ داخلي يتفاعل مع المشاهد والمناظر، ويعيد ترتيب الحالة النفسية وفقًا لتقلّبات البيئة من حوله.
فالضوء – وهو أبسط عناصر الطبيعة – قادرٌ على إحداث تغيير حقيقي في مزاج الإنسان. فجرٌ هادئ قبل شروق الشمس يبعث الطمأنينة، وظهيرةٌ معتدلة صافية تُشعر بالوضوح، وغروبٌ متّقد بألوان بهيجة يحرّك الشجن.
أما الألوان، بتنوّع درجاتها، فهي لا تسرّ العين فحسب، بل تخاطب مناطق عميقة في الوعي والإدراك، فتترك أثرًا مباشرًا على المشاعر.
وحتى التضاريس واتساع المكان أو ضيقه، يمكنها أن تغيّر من إحساس الإنسان بذاته؛ فالمساحة المفتوحة تمنحه شعورًا بالحرية والانطلاق، بينما يفرض المكان الضيق إيقاعًا نفسيًا مختلفًا يكتم الأنفاس.
وقد تغنّى الشعراء قديمًا وحديثًا بجمال الطبيعة وما فيها من دلائل الصنعة الإلهية، فقال البحتري في وصف تفاعل الريح مع المروج:
تصفّقُ الريحُ في مروجهِ طربًا
كأنّها عَبْرَةٌ في العينِ لم تُسَفَّحِ
هذا الحسّ الشعري ليس إلا استجابةً عميقة لما تفعله الطبيعة في النفس، قبل أن تستقرّ صورتها في الجسد أو في الإدراك الواعي.
هذه الاستجابات، التي قد تبدو بسيطة، تُظهر حقيقة أعمق: الطبيعة تؤثّر في النفس قبل الجسد. ولأنّ هذا التأثير قديم ومتجذّر، نشأت لدى الإنسان حاجة داخلية إلى ترتيب محيطه، وإعادة تشكيل بيئته بطريقة تعكس ما يطمح إليه داخله من اتساق ونظام.
وهكذا نشأت العمارة استجابةً لحاجةٍ نفسيةٍ عميقة، لا تقلّ حضورًا عن حاجتها العملية. فالإنسان لم يكتفِ ببناء المأوى، بل سعى إلى تزيينه وتحسينه وتنظيمه، وإضفاء طابعٍ جمالي عليه يجعل المكان أكثر ملاءمة لسكينة الروح.
ويمكن القول إنّ هذا الميل لم يكن مجرد نزوة فنية، بل فطرة أودعها الله في الإنسان. فالجمال – كما ورد في الحديث الشريف – صفةٌ إلهية قدسية: «إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال»رواه مسلم، فإذا كان الخالق قد تجلّى بديع صنعه في جمال الكون، فقد جعل في النفس البشرية حسًّا يلتقط هذا الجمال، ويستجيب له، ويميل إلى صناعته حيثما استطاع.
ومن هذا الميل الفطري تشكّلت المدن، وازدهرت الفنون، وتطوّرت الزخارف، وتنافس الإنسان في تحسين بيئته عبر العصور.
إنّ النظر إلى الجمال بهذه الصورة يكشف أنه أكثر من زينة، وأبعد من كونه رفاهية. إنه ضرورة نفسية، وطريقة لإعادة ترتيب الفوضى التي تفرضها الحياة، وجسرٌ بين ما يراه الإنسان خارجًا وما يشعر به في داخله.
فحين ينسجم المكان مع حاجة النفس إلى الوضوح والاتساق، تنشأ علاقة جديدة بين الإنسان والبيئة، علاقة تبعث الطمأنينة، وتُعيد للوجود توازنه.
لذلك، فإنّ الجمال ليس تفصيلًا هامشيًا في مسيرة الإنسان، بل عنصرٌ أصيلٌ من عناصر العمران. وما عمارة الأرض – في جوهرها – إلا امتداد لهذا السعي القديم إلى بناء عالمٍ يليق بالنفس، ويعبّر عنها، ويمنحها القدرة على البقاء في هذا الكوكب بروح مطمئنة وقلبٍ يرى في كل مشهدٍ طبيعي نافذةً على معنى أوسع للحياة.
حبّ الجمال فِطرة وليست ترفًا
كتبه: محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي
الرياض – حي العوالي
يوم السبت الساعة 2.00 ظهرا
22/6/1447هـالموافق 13/12/2025م
- انطلاق منافسات اليوم الأول لبطولة الكرة الطائرة الشاطئية بتنظيم الاتحاد السعودي للكرة الطائرة
- جمعية الإحسان في مهرجان جازان 2026… حين تتجسّد الصحة فرحًا، والعطاء أثرًا مستدامًا
- النائب العام الشيخ سعود بن عبدالله المعجب يزور أركان المحافظات المشاركة في فعاليات مهرجان جازان 2026..
- ركن محافظة الطوال بشتاء جازان يستقطب ويجذب الزوار والمتنزهين ويقدم موروثات شعبية
- اترك باب الرجوع مواربًا



