
مساء الأربعاء 28 يناير 2026م لم يكن مساءً عابرًا،
كان موعدًا مع الوفاء،
حين اصطفّ المعلّمون في قصر الشرق بأبي عريش
لا ليحتفلوا بتقاعد زميل،
بل ليحتفوا بسيرةٍ علّمت، وأثرت، وتركَت أثرًا يشبه الضوء.
في تلك الأمسية،
وقف أحمديني أحمد عبدالله معبر
بين نخبةٍ من المكرّمين،
لا بصفته متقاعدًا،
بل بوصفه حكايةً مكتملة الفصول،
رجلًا أمضى عمره
يعلّم العين كيف ترى،
والروح كيف تحب الجمال.
من قرية المجصّص،
حيث تولد البدايات صافية،
وحيث الطين أول معلم،
وُلد أحمديني معبر في الأول من شهر 7 لعام 1386هـ،
فكانت ولادته وعدًا خفيًا بالفن،
وصداقةً مبكرة مع اللون والضوء.
كبر بين بساطة المكان وصدق أهله،
فصار الفن عنده ليس ترفًا،
بل لغة حياة.
في مدارس المجصّص وأبي عريش
بدأ الحلم يتشكّل،
وفي معهد التربية الفنية بالرياض
تعلّم كيف يصغي للخطوط،
وكيف يمنح اللون معنى،
ثم عاد معلّمًا،
يحمل رسالته إلى مدارس العارضة وقنبورة،
ثلاثة عقودٍ وأكثر
وهو يغرس الجمال في نفوس طلابه،
ويؤمن أن التربية الفنية
ليست مادةً على الجدول،
بل وعيًا يُربّي الإنسان.
لم يكن معلّمًا فقط،
بل مشرفًا على الأنشطة،
وصانعًا للمشهد،
يحوّل المدرسة إلى مساحة دهشة،
ويجعل من الفن طريقًا للتربية.
وحين اتسعت الرؤية،
جمع بين الفن والإعلام،
فنَال البكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة جازان،
فصار يقرأ الصورة كما تُقرأ القصيدة،
ويصوغ الرسالة بروح المعلّم ودقة الفنان.
في الفن الرقمي،
حوّل الشاشة إلى قماشٍ نابض،
وفي الإخراج والمونتاج والتصوير
كان يرى ما قبل اللقطة،
ويمنح الصورة إنسانيتها.
وفي المجتمع، كان حضوره امتدادًا لهويته،
عضوًا في الجمعية الثقافية بجازان،
ومشرفًا فنيًا على القرية التراثية،
وحارسًا أمينًا لذاكرة المكان.
وفي الجنادرية،
حمل جازان كما تُحمل القصيدة،
وأشرف على قريتها التراثية،
ليقول:
هنا وطنٌ يتكلّم لونًا،
وتاريخٌ يمشي على هيئة فن.
أربع وثلاثون عامًا من العطاء
لم تكن سنوات عمل،
بل كانت عمرًا يُهدى للآخرين،
وأثرًا يُزرع في القلوب.
هكذا هو أحمديني أحمد عبدالله معبر…
حين يتقاعد المعلّم عن الصف،
يبقى حاضرًا في الذاكرة،
وحين يضع الفنان أدواته،
تظل الألوان شاهدة.
هو الذي علّمنا أن الفن حين يخرج من القلب لا يشيخ،
وأن التعليم حين يُمارس بإخلاص
يظل حياةً تمشي بين الناس.



