مقالات

فلان لا تبرأ به الذمة

د. مصلح البركات

تتردد على الألسنة جملة «فلان لا تبرأ به الذمة» وكأنها حقيقة مُنزلة لا تحتمل النقاش، يقولها الناس أحيانًا بلا تروٍّ ولا وعي بثقلها الشرعي ولا بأثرها الإنساني، غير مدركين أنها ليست مجرد رأي عابر، بل حكم خطير يُلقي بظلاله على الذمم والنيات والعلاقات، وقد يكون في جوهره انعكاسًا لحقد دفين أو خصومة لم تُعالَج بعدل ولا إنصاف.

هذه العبارة حين تُقال، تُغلق أبواب الثقة، وتزرع الشك في القلوب، وتمنح القائل سلطة أخلاقية موهومة على الآخرين. يُصبح الشخص المُشار إليه متهمًا دائمًا، مهما قدّم من أمانة أو حسن نية، ويُختزل تاريخه كله في جملة واحدة قاسية، لا دليل عليها إلا رواية ناقصة أو موقف أُخرج من سياقه.

والأسوأ أن السامع يتلقاها غالبًا على أنها نصيحة صادقة، لا حكم جائر، فيتداولها دون تمحيص، فتتسع دائرة الظلم.

كم من أسرة تمزقت بسبب هذه الكلمة، حين قيلت في مجلس أو همس بها قريب أو صديق، فاشتعل الشك بين الزوجين، أو انقطعت الثقة بين الإخوة.

وكم من صداقةقديمة انهارت، لا لأن خيانة وقعت، بل لأن عبارة أُلقيت بلا بينة، فصنعت جدارًا من الريبة لا يُرى، لكنه يمنع الوصل ويقتل الصفاء. بل كم من رحم قُطعت، ومعروف مُنع، وخير توقف، لأن أحدهم قرر أن يبرئ ذمته باتهام ذمة غيره.

الخطر الحقيقي في هذه الجملة أنها تُستخدم أحيانًا ستارًا لتصفية حسابات شخصية، أو لتبرير قطيعة غير مبررة، فيرتاح القائل ضميره ظاهريًا، بينما يُثقل ذمته باطلاً. فالدين الذي عظّم شأن الذمة، شدد في الوقت ذاته على حرمة الظن، وعلى أن الأصل في الناس السلامة، وأن الاتهام بلا بيّنة إثم، لا احتياط.

إن الذمم لا تُدان بالأهواء، ولا تُبرّأ بالشائعات، ولا تُحاكم بالأحاديث المنقولة بلا تثبت. والكلمة التي تُقال اليوم بلا تفكير، قد تظل جرحًا مفتوحًا في حياة آخرين سنوات طويلة.

لعلنا بحاجة إلى وعيٍ أعمق، نزن فيه كلماتنا بميزان العدل، ونتذكر أن الصمت أحيانًا أبرأ للذمة من كلام يفسد ولا يصلح، ويهدم ولا يبني.

د. مصلح البركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى