مقالات

قول “نعم” و“لا”

د. مصلح البركات

يمضي كثير من الناس حياتهم في محاولة لإرضاء الآخرين، فيقولون “نعم” حين يريدون أن يقولوا “لا”، ويتحمّلون ما لا يطيقون خوفًا من الرفض أو فقدان القبول الاجتماعي. وبين هاتين الكلمتين البسيطتين — نعم ولا — تتشكل معارك نفسية خفية، قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا كبيرًا في الداخل.

أن تقول “نعم” في غير محلها يعني أن تهب وقتك وطاقتك وراحتك لمن لا يقدّر ذلك أحيانًا، وأن تضع الآخرين دائمًا في مركز احتياجاتك بينما تتراجع أنت إلى آخر صف. ومع الوقت، تصبح “نعم” عادة لا موقفًا، وردة فعل لا اختيارًا، حتى تفقد القدرة على معرفة رغباتك الحقيقية. إنها الموافقة القسرية التي تُنقذ لحظة لكنها تُهلك العمر.

وعلى الجانب الآخر، أن تقول “لا” بإفراط أو قسوة قد يعزلك أو يجعل صورتك أمام الآخرين مشوشة، لكن قول “لا” في حدودها الطبيعية هو شكل من أشكال احترام الذات. “لا” ليست رفضًا للطلب، بل حماية للقدرة، وحفاظًا على التوازن، وتأكيدًا على أن الإنسان ليس ملزمًا بأن يكون متاحًا في كل وقت وبلا ثمن نفسي.

الفرق بين “نعم” و“لا” ليس مجرد حرفين، بل وعيٌ بحدودك وجرأةٌ في إدارة وقتك وعلاقاتك. حين تقول “نعم” لكل شيء، فأنت تخسر صحتك وهدوءك ووقتك، وحين تقول “لا” حين يلزم، فإنك تضع قواعد واضحة للتعامل وتحمي نفسك من الاستنزاف.

ما يدفع كثيرين إلى التعلق بـ“نعم” هو الخوف:
خوف من أن يُساء فهمهم، أو أن يُتهموا بالأنانية، أو يفقدوا حب الآخرين. لكن الحقيقة أن العلاقات الصحية لا تقوم على التنازلات المطلقة، بل على الصراحة المتوازنة. ومن يحبك حقًا يفهم قولك “لا”، ومن يريدك لأجل مصلحة لحظية فقط لا يستحق “نعم” في المقام الأول.

أن تتعلم متى تقول “نعم” ومتى تقول “لا” هو فنّ، بل مهارة حياتية تحتاج إلى تدريب. فقول “نعم” حين يكون الطلب مناسبًا وينسجم مع قيمك، يزيدك حضورًا ومحبة. وقول “لا” حين يكون الطلب فوق طاقتك أو ضد قناعاتك، يزيدك احترامًا لذاتك ويعلّم الآخرين احترام حدودك.

وفي النهاية، لا تجعل أحدًا يختار بالنيابة عنك بين “نعم” و“لا”. قل “نعم” حين تريد، وقل “لا” حين يلزم، واعلم أن إرضاء الآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب رضاك عن نفسك. فالصوت الذي يستحق أن يسمعه الجميع هو صوتك أنت، لا صدى توقّعاتهم منك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى