
حين يموت الأديب لا تموت كلماته، بل تبدأ حياتها الأخرى. هكذا كان رحيل الدكتور سعيد السريحي؛ غاب الجسد وبقي الأثر، وانطفأ الصوت وبقي الصدى ممتدًا في ذاكرة الثقافة السعودية والعربية. لم يكن السريحي مجرد ناقد يمرّ في المشهد الأدبي عابرًا، بل كان حالة فكرية متفردة، وصوتًا عقلانيًا اشتبك مع النص، ومع الواقع، ومع الأسئلة الكبرى التي تؤرق المثقف الحقيقي.
وُلد سعيد السريحي في بيئةٍ بسيطة، لكنه مبكرًا أدرك أن الخلاص الشخصي والجماعي يبدأ من المعرفة. في مرحلة دراسته الأولى تشكّلت ملامح وعيه؛ كان قارئًا نهمًا، يميل إلى التأمل أكثر من الضجيج، وإلى السؤال أكثر من الإجابة الجاهزة. في مقاعد الدراسة الثانوية بدأت علاقته الحقيقية بالأدب العربي القديم والحديث، فقرأ للمتنبي وأبي تمام كما قرأ لطه حسين والرافعي، وكان يرى أن التراث ليس متحفًا جامدًا بل نصًا مفتوحًا على التأويل.
انتقل إلى الدراسة الجامعية فازدادت رؤيته عمقًا واتساعًا. هناك تبلورت أدواته النقدية، وبدأ يتلمّس طريقه نحو مشروع فكري يتكئ على التحليل المنهجي ويبتعد عن الانطباعية السائدة. لم يكن مأخوذًا بالبريق، بل كان مفتونًا بالبنية؛ بنية النص، وبنية الفكرة، وبنية الخطاب. ولذلك اتجه إلى الدراسات النقدية التي تبحث في الأصول والمفاهيم، وتعيد مساءلة المسلمات التي درج عليها الوسط الثقافي.
وفي مرحلة الدراسات العليا، رسّخ السريحي حضوره الأكاديمي، فاشتغل على قضايا السرد والنقد الحديث، ولامس التحولات التي شهدها الأدب العربي في القرن العشرين. لم يكن من أنصار القطيعة التامة مع التراث، ولا من دعاة الارتهان الكامل للمناهج الغربية، بل سعى إلى صياغة موقف وسطي يوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين الجذور والأسئلة الجديدة. كان يرى أن الناقد الحقيقي هو من يضيء النص لا من يختبئ خلف المصطلح.
دخل السريحي حقل الصحافة الثقافية وهو يحمل هذا الرصيد المعرفي، فكانت مقالاته أشبه بورش تفكير مفتوحة. كتب في الصحف السعودية والعربية، ولم يكن مقاله مجرد تعليق عابر على حدث ثقافي، بل قراءة معمّقة تستفز القارئ ليتأمل. تناول قضايا الحداثة، وصراع الأجيال، وإشكاليات النقد، وتحولات الرواية والشعر، وكان صريحًا في آرائه، لا يجامل على حساب قناعته، ولا يخاصم إلا الفكرة.
في الصحافة، بدا السريحي أقرب إلى الناس. لغته ظلّت رصينة، لكنها لم تكن مغلقة. كان يدرك أن المقال مساحة للتواصل لا للاستعراض، وأن الثقافة إذا انفصلت عن المجتمع فقدت جدواها. لذلك كان حريصًا على أن يربط بين النظرية والتطبيق، بين النص وحياة الناس، بين الجدل الفكري والواقع المعيش.
لم تخلُ مسيرته من الجدل؛ فالناقد الذي يملك رؤية لا بد أن يثير اختلافًا. لكنه كان يتعامل مع الاختلاف بوصفه ظاهرة صحية، شرط أن يكون قائمًا على الحجة. لم يُعرف عنه أنه انزلق إلى المهاترات، بل ظلّ وفيًا لفكرة أن الثقافة حوار، وأن الرأي الآخر ضرورة لا تهديد.
مات سعيد السريحي، لكن رحيله أعاد طرح السؤال: ماذا يبقى من المثقف بعد غيابه؟ يبقى مشروعه، وتبقى كتبه، وتبقى مقالاته شاهدة على زمنٍ كان فيه النقد معركة وعي. يبقى أثره في طلابه، وفي القراء الذين تعلّموا منه أن النص ليس سطحًا يُقرأ، بل عالَمًا يُكتشف.
رحل سعيد، وبقيت حياته درسًا في أن الطريق إلى الفكر يبدأ من مقعد الدراسة، ويكبر في الجامعة، ويتجلى في الكتابة، ويستمر في الصحافة، ثم يتحول بعد الموت إلى سيرةٍ تُروى، لا عن شخصٍ فحسب، بل عن قيمة الثقافة نفسها. هكذا



