آداب

محاولات يائسة

ا/محمد باجعفر

حاولتُ كثيرًا أن أصل إليك بالكلمات،
لا لأن الحروف تجيد الوصول،
بل لأن الصمت كان يثقل صدري أكثر من الاحتمال.


كتبتُ لك، وإليك، وعنك،
وفي كل مرة كنتُ أظن أن رسالة صادقة
قد تفتح نافذة صغيرة في جدار الصمت،
لكن النوافذ ظلّت مغلقة،
والجدار ازداد سماكة.


لم تكن حاجتي جوابًا جميلًا،
ولا وعدًا مؤجّلًا،
كنتُ فقط أبحث عن وضوحٍ بسيط:
نعم تُنهي التردد،
أو لا تُنهي الانتظار.


فالانتظار منطقة رمادية
يذبل فيها القلب ببطء،
لا هو حيّ بالأمل،
ولا هو مرتاح باليقين.


داخل روحي تكاثرت الأسئلة
كطيورٍ تائهة لا تجد سماءها،
وأهمها كان بسيطًا ومباشرًا:
لماذا الصمت حين يكون الكلام أرحم؟


أدرك جيدًا
أن لكِ حق الاختيار،
وحق القبول،
وحق الرفض،
وحتى حق الانسحاب دون تبرير.


لكن للقلوب أيضًا
حق ألا تُترك معلّقة
بين الاحتمال والخذلان.


الصدمة لم تكن في الرفض،
فالرفض موقف واضح،
أما الصدمة فكانت
في الغياب الذي يشبه الحضور،
وفي الصمت الذي يشبه الإجابة الناقصة.


تعلمتُ متأخرًا
أن بعض القلوب
لا تجيد إلا لغة الإشارة البعيدة،
وأن الاقتراب منها
يشبه الوقوف على حافة بئرٍ عميقة:
ترى انعكاسك،
لكن لا تصل إلى الماء.


لهذا قررتُ بهدوءٍ لا يخلو من قسوة
أن أستعيد نفسي من طرقٍ
لا تؤدي إلا للتعب،
وأن أُغلق الأبواب التي
لا يخرج منها سوى الصدى.


لن أتدخل في شؤون أحد،
ولن أطرق بابًا
لا يُفتح من الداخل،
حتى لو مُدّت لي الدعوة يومًا،
فبعض الدعوات تأتي متأخرة
كاعتذارٍ لا يُصلح ما كُسر.


أنا لا أحمل ضغينة،
لكنني أحمل ذاكرة،
والذاكرة تعلّم صاحبها
أين يضع قدمه
وأين يسحبها.


صار قلبي أكثر هدوءًا،
لكن هدوءه ليس سلامًا كاملًا،
بل هو هدوء من عرف
أن اللين الزائد
يُغري الآخرين بالقسوة.


يقول مثلنا:
من لُدغ من الحيّة
يخاف من الحبل،
وأنا لا أخاف الحبال،
لكنني لم أعد أُمسكها
قبل أن أتأكد
أنها لا تُخفي أنيابًا.


هكذا أمضي الآن،
خفيف الخطى،
ثقيل الفهم،
أمنح الودّ لمن يبادله،
وأمنح الصمت لمن يختاره.


فبعض الدروس
لا تُكتب بالحبر،
بل تُنقش في القلب،
مرة واحدة،
وتبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى