
يشهد المشهد اللغوي العربي اليوم تحولًا لافتًا يتمثل في انزياحٍ متزايد من العربية الفصحى إلى اللهجات العامية، خصوصًا بين الأجيال الشابة وفي الفضاء الرقمي الذي أصبح لغة الحياة اليومية. ورغم أن العامية جزء أصيل من الهوية الشعبية، فإن تمددها على حساب الفصحى يثير مخاوف حقيقية تتعلق بالمستقبل اللغوي والثقافي للعرب، وبقدرة الأجيال القادمة على قراءة تراثهم أو إنتاج معرفة رصينة بلغتهم الأم.
يرجع هذا الانزياح إلى جملة من العوامل؛ فالإعلام المرئي والرقمي رسّخ لغة بسيطة وسريعة تُساير إيقاع العصر، فغزت العامية البرامج والمنصات، بينما تراجعت الفصحى إلى البيانات الرسمية والأخبار السياسية.
وفي المدرسة تحوّلت مادة اللغة العربية إلى مجموعة قواعد جامدة، تُدرّس دون روح، وغاب عنها التدريب الحقيقي على التعبير والكتابة وصناعة الجملة السليمة، مما خلق فجوة بين المتعلم والفصحى، وجعله يرى العامية أقرب وأسهل. كما أسهمت النظرة الاجتماعية الخاطئة، التي تعتبر التحدث بالفصحى تكلفًا أو “رسميةً زائدة”، في إحراج كثير من المتحدثين، ودفعهم إلى الابتعاد عن استخدامها خارج نطاق الضرورة.
ومع ذلك، فإن آثار هذا التحول ليست بسيطة؛ فالفصحى ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي الوعاء الأكبر للمعرفة، واللغة التي كُتب بها التراث العربي والإسلامي والآداب الكلاسيكية، وهي الرابط الذي يجمع العرب من المحيط إلى الخليج. وكلما اتسعت الفجوة بينها وبين المستخدم العادي، تراجع حضور الهوية المشتركة، وضعفت القدرة على إنتاج خطاب معرفي موحّد، وفقدت الأجيال الجديدة صلتها الطبيعية بإرثها الثقافي.
ولمواجهة هذا الانزياح، لا بد من استعادة الفصحى إلى مساحاتها الطبيعية دون مبالغة أو فرضٍ قسري.
البداية تكون من المدرسة عبر تطوير مناهج تعليم اللغة، وتحويلها إلى مساحة إبداع وتفكير وكتابة، لا مجرد اختبار في الإعراب. كما يمكن للإعلام لعب دور محوري عبر تقديم محتوى حديث وجذّاب بالفصحى، لا يصطدم بذائقة الجمهور بل ينسجم معها، ويثبت أن الفصحى قادرة على التعبير عن العصر. إضافة إلى ذلك، فإن دور القدوة مهم؛ فحين يتحدث المعلم، والمذيع، والمؤثر بلغة عربية سليمة دون تكلف، يمكن للمتلقي أن يتقبلها ويعتادها دون مقاومة.
الفصحى ليست لغة قديمة ولا عاجزة، بل لغة واسعة ومرنة، أثبتت قدرتها على مواكبة العلوم والفنون الحديثة، وما تحتاجه اليوم ليس أكثر من إعادة حضورها في حياتنا اليومية بصورة طبيعية. فالحفاظ على الفصحى ليس معركة لغوية، بقدر ما هو حفاظ على جذور الهوية وروابط الثقافة العربية في زمن تتسارع فيه التحولات.



