
قراءة نقدية تربوية
في فوضى القروبات
لم تعد قروبات السوشيال ميديا مجرد وسيلة تواصل عابرة، بل تحوّلت إلى مساحة اجتماعية كاشفة، تعكس مستوى الوعي الجمعي، وطريقة إدارة الاختلاف، وحدود المسؤولية لدى الأفراد.
هي أدوات يفترض أن تُدار بالعقل، لكنها في كثير من الأحيان تُدار بالانفعال، وكان المنتظر أن تكون منصات بناء، فإذا بها تتحول إلى ساحات ضجيج وفوضى مقنّعة.
في أصل فكرتها، وُجدت هذه القروبات لتقريب المسافات، وتنظيم الجهود، وتبادل المعرفة، وبناء مجتمعات صغيرة حول أهداف مشتركة. غير أن سوء الاستخدام، وغياب الضوابط، جعلا منها بيئات طاردة للفكرة، ومُرهِقة للمتلقي، ومحبِطة لكل من يحمل نية صادقة للإسهام الإيجابي.
تتكاثر الرسائل، وتتناقص الفائدة. يعلو الصوت، ويغيب المنطق. ويُختزل الحوار في ردود متسرّعة لا تُراعي أثر الكلمة ولا مسؤوليتها. هنا لا يُهدر الوقت فحسب، بل تُستنزف الطاقات، ويُطفأ الشغف، ويُقصى الرأي المتزن لصالح الصخب والاندفاع.
المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في ثقافة المستخدم. حين يُكتب بلا وعي، ويُعلّق بلا قراءة، ويُجادل بلا هدف، تتحول القروبات إلى مساحات عبثية، يتقدّم فيها الانفعال على العقل، والشخصنة على الفكرة، والانتصار الوهمي على الحوار الحقيقي. والأسوأ أن الخلاف الطبيعي، وهو ظاهرة صحية في أي مجتمع حي، ينقلب إلى خصومة، ويُستبدل النقاش بالتجريح، والنقد بالاتهام.
ومن منظور تربوي واجتماعي، فإن أخطر ما تكرّسه بعض القروبات هو تطبيع السلوكيات السلبية السخرية، التهكّم، تداول الشائعات، وفرض الرأي الواحد. في هذه اللحظة،
لا يُقتل الوقت فقط، بل يُشوَّه الذوق العام، وتُفرّغ الكلمة من قيمتها، ويُربّى وعي هش يرى في الصخب قوة، وفي الإقصاء انتصارًا.
القروبات الناجحة لا تُدار بالعشوائية، بل بوضوح الهدف، وميثاق أخلاقي يُحترم قبل أن يُكتب، وإدارة واعية تُقدّم القيمة على الكثرة، والمسؤولية على المجاملة. فليس كل ما يُقال يستحق النشر، وليس كل رأي يصلح أن يُفرض. الكلمة موقف، والمشاركة سلوك، والصمت—في كثير من الأحيان—حكمة.
إننا بحاجة إلى إعادة تربية رقمية، تُعلّمنا متى نكتب، ولماذا نكتب، وكيف نختلف دون أن نُسيء. فحين يُدار التواصل بعقل تستعيد القروبات دورها الحقيقي مساحات بناء لا هدم وتلاقي لا تناحر، ووعي
لا فوضى
القروبات ليست شرًّا في ذاتها لكنها تصبح كذلك حين تُدار بلا عقل يقودها
فإما أن نُحسن استخدامها أو نتحمّل نتائج سوء إدارتها



