مقالات

مشاهير الفلس: زيف يتلألأ في سماء الرقمية

جازان: حسن المهجري

في زمن تتراقص فيه الأضواء الرقمية كنور النجوم في سماء لا نهائية، برزت ظاهرة غريبة، كسراب يتلألأ في منصات التواصل الاجتماعي”مشاهير الفلس”.

ليسوا نجومًا ينيرون الدروب، ولا مبدعين ينسجون الأحلام، بل ظلال عابرة ترتدي أقنعة الشهرة، تتمايل على إيقاع المشاهدات، تاركة سؤالًا يتردد: هل باتت الشهرة سلعة رخيصة، أم أننا نصنع أصنامًا من تراب؟

رقصة الوهم
“مشاهير الفلس”، كما يسميهم البعض، أبطال مؤقتون في مسرحية بلا نص ثابت.

ينسجون قصصهم من خيوط هشة: مقاطع فيديو تتلاعب بمشاعر الفقراء، استعراض رفاهية مزيفة، أو كلمات جارحة تُطلق لتثير العواصف.

في 2020، كشف تحديث لتطبيق سناب شات عن الأعداد الحقيقية لمتابعيهم، فتهاوت قلاعهم الرملية، وتصاعد هاشتاق “مشاهير الفلس الكذابين” كصرخة تعري زيف الأرقام ووهم الأضواء.

هؤلاء لا يكتفون برسم أحلام كاذبة، بل يزرعون بذور التشوه في عقول جيل ينظر إليهم بفضول طفولي.

سيارات لامعة تتجول على شاشات صغيرة، رحلات إلى جزر لم تطأها أقدامهم، وإساءات طائشة تطال شعوبًا، كلها مشاهد من مسرحية تفتقر إلى معنى.

إنها رقصة على حافة الهاوية، حيث الشهرة غاية، والقيم مجرد ديكور.

سقوط الأقنعة.
في أغسطس 2025، اهتزت المملكة على وقع حدث كشف وجهًا آخر لهذه الظاهرة.

سبعة أشخاص، بعضهم من “مشاهير الفلس”، وقعوا في قبضة العدالة بتهمة الاعتداء. الحقيقة، كالشمس، لا تخفيها السحب طويلًا.

هذه الحادثة لم تكن خبرًا عابرًا، بل جرس إنذار يدعو لإعادة التفكير في قيمة الشهرة ومن يحملون شعلتها.

فيما يصارع المجتمع العربي هذا السراب، تأتي تجربة الصين كومضة ملهمة.

هناك، أغلقت السلطات الأبواب أمام مشاهير “فاسدي الأخلاق”، مانعة إياهم من الترويج للمنتجات، في خطوة لتطهير الفضاء الرقمي.

هذا النهج أشعل نقاشًا في السعودية، حيث طالب نشطاء وإعلاميون بوضع ضوابط صارمة تحول دون استغلال المنصات لنشر التفاهة أو الإساءة.

فالفضاء الرقمي ليس ساحة بلا حدود، بل مرآة تعكس وجه المجتمع.

دعوة للاستفاقة

ظاهرة “مشاهير الفلس” ليست ومضة عابرة، بل دعوة لاستفاقة جماعية.

إنها تحدٍ يواجه الأفراد والمجتمع على حد سواء.

على المتابعين اختيار من يمنحونهم أثمن ما يملكون: الوقت والانتباه.

ونشكر القيادة الرشيدة على مواجهة المخالفات، لتجعل المنصات الرقمية فضاءً للإبداع لا للزيف.

فلنكتب قصة جديدة، حيث تكون الشهرة تاجًا لمن يصنع الخير، ونورًا لمن يزرع الأمل.

دعونا نرفع الأقلام والأصوات، ونقول: “الشهرة ليست أضواء تُطفأ، بل إرث يُبنى بالقيم”.

فهل نكون نحن، المتابعون، كتّاب النهاية السعيدة لهذه المسرحية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى