
ليست بدايات الأيام مجرّد لحظات عابرة في روتين الحياة ، بل هي مفاصل نفسية دقيقة تُحدد نبرة الساعات التالية ، وتؤثّر في مزاج الفرد وسلوكه ، وطريقة تفاعله مع محيطه.
فبعد صلاة الفجر وقراءة الأذكار ، يُستحسن ألّا يُسلِّم الإنسان صباحه للعجلة والضجيج ، لأنّ الدقائق الأولى من اليوم تصنع كثيرًا من ملامحه النفسية والعملية.
الصباح الرائق لا يُعدّ ترفًا مزاجيًّا ولا حظًّا عارضًا ، بل هو اختيار واعٍ يبدأ من الداخل ، حين يقدّم المرء الامتنان على الشكوى ، ويستحضر الطمأنينة في مواجهة الضغوط ويستقيم على نيّة صالحة تُثمر اتزانًا في السلوك وصلابةً في الموقف.
ومع هذا الاختيار يغدو حضور الإنسان أهدأ ، وتعبيره أبلغ ، وأثره أخفّ وطأة على من حوله.
ورغم أنّ بدايات اليوم لا تغيّر بالضرورة ظروف الحياة الخارجية ، فإنها تغيّر طريقة تلقّي الإنسان لتلك الظروف في داخله.
وطريقة التلقّي هي التي تُحدِّد مستوى التفاعل وحدّة التأثّر.
فمن أحسن إدارة بدايته ، أحسن غالبًا إدارة ما يطرأ عليه خلال يومه ، وكان أقدر على الاحتواء والتوازن.
وتنعكس جودة الصباح بشكل مباشر على جودة العلاقات الاجتماعية والمهنية ، فالنفوس تتأثّر بنبرة البداية أكثر مما تتأثّر بتفاصيل الأحداث نفسها.
وحين يستهلّ الفرد يومه بروح مطمئنة ، تمتد هذه الطمأنينة أثرا في البيت ومقر العمل والطريق ، فتخفّ حدّة الاحتكاك ، ويرتفع منسوب التفهم ، ويتسع هامش التسامح.
لن يُسجَّل الصباح في سجلّ الأيام بوصفه صدفة عابرة ، بل قرارًا يوميًّا لصناعة المعنى.
ومن أحسن اختيار بدايته ، أحسن في الغالب كتابة بقيّة يومه ، لأنّ البدايات الواعية ليست مجرّد وقت ، بل موقف من الحياة.
بقلم : خالد حوذان



