
من بيع المكانس إلى قيادة ثورة البث الرقمي
يحظى رجل الأعمال الأمريكي البارز “ريد هاستينغز” بشهرة واسعة كمؤسس مشارك والرئيس التنفيذي لشركة “نتفليكس”، عملاق البث الترفيهي العالمي.
علاوة على أن تأثيره يمتد إلى ما هو أبعد من عالم الأعمال؛ حيث يخدم في مجالس إدارة العديد من الشركات والمنظمات غير الربحية. ما يعكس التزامه بالمساهمة في مختلف القطاعات.
ريد هاستينغز
من ناحية أخرى يبرز دور “هاستينغز” في مجال التعليم بشكلٍ خاص؛ حيث شغل سابقًا منصب رئيس مجلس التعليم بولاية كاليفورنيا. في حين يشتهر بدفاعه القوي عن المدارس المستقلة (المدارس المستأجرة)، التي يرى أنها توفر بدائل تعليمية مبتكرة وفاعلة. كذلك يولي اهتمامًا كبيرًا بالقضايا الاجتماعية؛ إذ يشارك في العديد من المبادرات التي تهدف إلى تحسين حياة المجتمعات.
وبينما يواصل “هاستينغز” قيادة “نتفليكس” نحو آفاق جديدة يظل ملتزمًا بدعم التعليم والمساهمة في القضايا الاجتماعية. كما يعكس مساره المهني والتطوعي رؤية شاملة تجمع بين النجاح في عالم الأعمال والمسؤولية تجاه المجتمع.

الحياة المبتكرة
وُلد ريد هاستينغز يوم 8 أكتوبر عام 1960م، في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، وسط عائلة ذات جذور اجتماعية عريقة. كان والده، ويلموت ريد هاستينغز الأب، محاميًا مرموقًا في وزارة الصحة والتعليم والرعاية خلال إدارة الرئيس نيكسون. في حين كانت والدته جوان أموري لوميس تنتمي إلى عائلة بوسطن براهمن، وهي من العائلات ذات النفوذ الاجتماعي.
ومع ذلك شعرت والدته بالنفور من حياة المجتمع الراقي، وغرست في أبنائها قيم التواضع والابتعاد عن المظاهر. كما أن جدّه الأكبر لأمه هو ألفريد لي لوميس.
علاوة على ذلك تلقى ريد هاستينغز تعليمه في مدرسة باكنغهام براون ونيكولز في كامبريدج، ماساتشوستس؛ فأظهر تفوقًا أكاديميًا ملحوظًا. وقبل التحاقه بالكلية خاض مغامرة فريدة من نوعها؛ إذ عمل في بيع المكانس الكهربائية من الباب إلى الباب. ما أكسبه خبرة قيّمة في التعامل مع الناس. وفي عام 1983م تخرج في كلية بودوين بدرجة بكالوريوس في الآداب بالرياضيات.
رغبة قوية في خدمة وطنه
من ناحية أخرى لم يقتصر اهتمام “هاستينغز” على الجانب الأكاديمي فقط، بل كانت لديه رغبة قوية في خدمة وطنه. فانضم إلى تدريب ضباط مشاة البحرية، وقضى فترات صيفية في معسكرات التدريب، ومنها فترة في معسكر تدريب مدرسة المرشحين للضباط بقاعدة مشاة البحرية كوانتيكو، فيرجينيا خلال صيف عام 1981م. وفي حين لم يكمل التدريب أو يحصل على تكليف في مشاة البحرية إلا أن هذه التجربة عززت لديه قيم الانضباط والقيادة.
كذلك اختار مسارًا مختلفًا بعد تخرجه في الكلية؛ حيث انضم إلى فيلق السلام، وهي منظمة تهدف إلى تقديم المساعدة للمجتمعات النامية. فيما وصف هذه التجربة بأنها “مزيج من الخدمة والمغامرة”. سافر إلى سوازيلاند؛ إذ عمل مدرسًا للرياضيات في مدرسة ثانوية لمدة عامين، من عام 1983 إلى 1985. كما ينسب جزءًا من روحه الريادية إلى الفترة التي قضاها في فيلق السلام؛ حيث تعلم كيفية التكيف مع الظروف الصعبة والتفكير خارج الصندوق.
وبينما كانت تجربة فيلق السلام نقطة تحول في حياة “هاستينغز” إلا أنه قرر مواصلة تعليمه العالي بعد عودته إلى الولايات المتحدة. فالتحق بجامعة ستانفورد، وتخرج عام 1988م بدرجة ماجستير في علوم الكمبيوتر. وهذه الخلفية الأكاديمية القوية، بالإضافة إلى خبرته العملية المتنوعة، كانتا بمثابة الأساس الذي بنى عليه مسيرته المهنية الناجحة في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال.
مسيرة ريد هاستينغز المهنية
بدأت مسيرة ريد هاستينغز المهنية في عالم التكنولوجيا بشركة التكنولوجيا التكيفية؛ فأظهر براعة في ابتكار أدوات لتصحيح أخطاء البرمجيات. تلك الفترة كانت نقطة تحول في حياته المهنية؛ إذ تعرف على أودري ماكلين؛ الرئيس التنفيذي للشركة، التي أثرت فيه بشكل كبير.
وفي تصريح له عام 2007م أكد أهمية التركيز. قائلًا: “منها تعلمت قيمة التركيز. وتعلمت أنه من الأفضل الاهتمام بمنتج واحد جيدًا من صنع منتجين بطريقة متوسطة”.
تأسيس شركة “بيور سوفتوير”
في عام 1991م قرر “هاستينغز” ترك شركة التكنولوجيا التكيفية لتأسيس شركته الخاصة، بيور سوفتوير، المتخصصة في تطوير منتجات لاستكشاف أخطاء البرمجيات وإصلاحها. وواجه تحديات جمة في إدارة الشركة، خاصة مع النمو السريع في عدد الموظفين؛ حيث أدرك أنه يفتقر إلى الخبرة الإدارية اللازمة.
ولم تكن خلفيته الهندسية كافية لتأهيله لتحديات منصب الرئيس التنفيذي، ما دفعه إلى طلب استبداله من مجلس الإدارة، لكن المجلس رفض. وهو ما دفعه لتعلم أسس ريادة الأعمال. وفي عام 1995م تم طرح أسهم بيور سوفتوير للاكتتاب العام بواسطة مورغان ستانلي.
وخلال عام 1996م أعلنت بيور سوفتوير اندماجها مع أتريا سوفتوير؛ بهدف دمج برامج اكتشاف الأخطاء مع أدوات إدارة تطوير البرمجيات المعقدة. ومع ذلك واجهت عملية الاندماج صعوبات في دمج فرق المبيعات؛ ما أدى إلى مغادرة كبار مندوبي المبيعات من الشركتين.
وفي عام 1997م تم الاستحواذ على الشركة المندمجة “بيور أتريا” من قبل راشيونال سوفتوير. ما أدى إلى انخفاض حاد في أسهم الشركتين. وتم تعيين “هاستينغز” رئيسًا تنفيذيًا للشؤون التقنية، لكنه غادر بعد فترة وجيزة من الاستحواذ.
تأسيس “نتفليكس” وفكرة مبتكرة
في عام 1997م أسس هاستينغز ومارك راندولف، زميله السابق في بيور سوفتوير، شركة نتفليكس، التي قدمت خدمة تأجير الأفلام عبر البريد برسوم ثابتة. واستندت فكرتها إلى الجمع بين تقنيتين ناشئتين: أقراص الفيديو الرقمي (DVDs) وموقع ويب لطلبها. ووفقًا لـ “هاستينغز” جاءت فكرة نتفليكس بعد أن فرضت عليه رسوم تأخير كبيرة بسبب فيلم “أبولو 13”. ومع ذلك أشار “راندولف” لاحقًا إلى أن هذه القصة قد تكون من نسج خيال هاستينغز لتفسير نموذج أعمال الاشتراك في نتفليكس.
وكان ريد هاستينغز مؤمنًا بمستقبل التلفزيون عبر الإنترنت، وأدى يوتيوب دورًا حاسمًا في تحوله الإستراتيجي لتطوير خدمة بث الفيديو. وفي عام 2007م أطلقت نتفليكس خدمة لبث الأفلام والبرامج التلفزيونية إلى أجهزة الكمبيوتر. ومنذ ذلك الحين نمت الشركة لتصبح واحدة من كبرى منصات البث في العالم، مع ملايين المشتركين ومجموعة واسعة من العناوين.
ثقافة نتفليكس المبتكرة
اشتهرت نتفليكس بممارساتها الإدارية المبتكرة، التي تعكس ثقافة “الحرية والمسؤولية” التي تبناها هاستينغز. وتقدم الشركة حزم إنهاء خدمة كبيرة للموظفين المتوسطين لضمان الحفاظ على بيئة عمل مبتكرة.
كما ألغت وقت الإجازات المرضية والعادية. ما يسمح للموظفين بإدارة وقت إجازتهم بشكلٍ فردي. وأنشأ “هاستينغز” دليلًا للثقافة الداخلية للشركة، والذي أصبح أداة فحص للموظفين المحتملين.
كتاب “لا قواعد قواعد” وإرث مستمر
في عام 2020 شارك هاستينغز وإيرين ماير في تأليف كتاب “لا قواعد قواعد: نتفليكس وثقافة إعادة الابتكار”، الذي تناول ثقافة نتفليكس ومبادئ إدارتها.
وحقق الكتاب نجاحًا كبيرًا؛ حيث تصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، ورُشح لجائزة فاينانشيال تايمز وماكينزي لأفضل كتاب أعمال.
لذا يظل إرث ريد هاستينغز في عالم التكنولوجيا والإدارة ملهمًا؛ حيث أثبت أن الابتكار والتركيز على ثقافة الشركة يمكن أن يؤديا إلى نجاح استثنائي.

في النهاية تُشكّل قصة نجاح ريد هاستينغز نموذجًا ملهمًا يجمع بين الرؤية الثاقبة والعمل الجاد والالتزام بالمسؤولية المجتمعية. فهو أثبت؛ من خلال مسيرته المهنية الحافلة، أن الابتكار والإصرار يمكن أن يحولا الأفكار الطموحة إلى واقع ملموس.
علاوة على ذلك يظل إرثه في عالم التكنولوجيا والإدارة مصدر إلهام للأجيال القادمة، بينما تظل مساهماته في مجال التعليم والقضايا الاجتماعية شاهدًا على التزامه بخدمة المجتمع.
من بيع المكانس إلى قيادة ثورة البث الرقمي



