
حين نتصفح تاريخ المملكة العربية السعودية، نرى أنّ قرنًا من الزمان يمكن أن يُختصر في منعطفين فارقين صنعهما رجلان نادرا المثال: الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز؛ مد الله في عمره، أحدهما أسّس الكيان ووحّد الشتات، والآخر أعاد صياغته بلغة العصر، فنهضا بالبلاد من طور إلى طور، وربطا حاضرها بمستقبلها.
الملك المؤسس صانع الوحدة والأمان
في مطلع القرن العشرين كانت جزيرة العرب مسرحًا للنزاعات والثارات والحروب؛ قبائل متفرقة، وأمارات متناحرة، وعصبية قبلية تُحبط كل سعي إلى جمع الكلمة. في هذا الجو العاصف بزغ عبد العزيز، شاب نحيل القسمات، قوي العزيمة، يحمل حلمًا يفوق الصحراء اتساعًا. لم يكن سيفه وحده ما فتح له الطريق، بل بصيرته، وصبره، وحسن قراءته لأمزجة قومه.
سنوات طويلة أمضاها رحمه الله يجمع الرياض ونجد والحجاز وعسير والأحساء وسواها، حتى اكتمل عقد البلاد، وأعلن قيام دولة جديدة حملت اسم أسرته؛ وليس في ذلك ما يُعاب، فهو شأن دولٍ عظيمة سبقت، كالأموية والعباسية والأيوبية وغيرها، إذ تحمل الأمم أحيانًا أسماء الأسر التي شيدتها اعترافًا بفضلها وخلودًا لذكرها. وقد غرس الملك المؤسس جذور الأمن والاستقرار، وأقام على تلك الأرض صرحًا سياسيًا واجتماعيًا فريدًا من نوعه في محيط مضطرب.
عهد الملوك استمرار للبناء
ولم يتوقف سيل العطاء عند المؤسس؛ فقد توالى من بعده أبناؤه الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبد الله رحمهم الله جميعا، والملك سلمان أمد الله في عمره، لكل واحد منهم بصمة واضحة في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتطوير الدولة، وتوسيع حضورها العربي والإسلامي والدولي. هم الذين حافظوا على تماسك الكيان، ونقلوه من بدايات البناء إلى رسوخ المؤسسات، ومن مرحلة التأسيس إلى رحاب التنمية، والنهضة، والسمو، والرفعة.
الأمير المجدّد صانع النهضة والرؤية
ثم جاءت مرحلة تجديد كبرى، حمل لواءها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. في أقل من عقد، قدّم رؤية شاملة جعلت من المملكة قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية يُعتدّ بها. أطلق «رؤية 2030»، فحرّك الاستثمارات، ونوّع مصادر الدخل، وأحيا القطاعات الثقافية والسياحية والرياضية، وأعاد تعريف صورة الدولة في أعين العالم. بجرأته وابتكاره حوّلها من اقتصاد ريعي إلى لاعب متقدم في أسواق العالم، ومؤسساته، وسياساته.
ما بين الجذور والرؤية
هذان الرجلان، ومعهما سلالة الملوك الذين حملوا الراية بينهما، يشكّلون حبلاً متيناً متصلًا من المجد. الملك عبد العزيز رحمه الله أرسى الجذور العميقة للدولة، فوحد الأرض وأقام لها أساسًا صلبًا، وأبناؤه الملوك من بعده صانوا هذا الإرث وعزّزوا مؤسساته، حتى غدت المملكة كيانًا راسخًا يزداد صلابة مع العقود. ثم جاء الأمير محمد بن سلمان ليطلّ من أفق الرؤية، فيبعث الحياة في تلك الجذور، ويطلقها نحو آفاق اقتصادية وسياسية وثقافية غير مسبوقة. ما بين الجذور والرؤية تتكامل حلقات الملحمة السعودية؛ ماضٍ ثابت الجذور، وحاضر يتسع للمستقبل، وعرقٌ نابض يمدّ التاريخ بطاقةٍ لا تنفد.
وهكذا تكتمل هذه الخاطرة، وقد خرجت من حيز التأمل إلى واقعٍ مكتوب، تحتفي في اليوم الوطني الخامس والتسعين بمسيرة وطنٍ صاغه العزم، ورسّخته العقول والهمم، وأطلقته الرؤية نحو آفاق لا تحدّها الحدود. إنّها تحية وفاء لملكٍ مؤسس غرس الأساس وانتظر حتى اكتمل البناء ثم رحل رحمه الله، ولوليّ عهدٍ مجدّد أعاد الصياغة وسقى تلك الجذور وانطلق بها نحو المستقبل، ولملوكٍ حملوا الأمانة جيلاً بعد جيل لم يفرطوا أو يتوانوا، فكانوا جميعًا صُنّاع مجدٍ سعودي يزداد رسوخًا وثباتاً كلّما مضت الأعوام وتوغل الزمن



