
الحاسة السادسة لماذا نشعر أن هذه اللحظة حدثت من قبل؟
يمرّ على كثير من الناس شعور غريب يصعب تفسيره؛ يتحدث أحدهم مع شخص في موضوع معين فيخال له أنه سبق أن تحدث معه في الأمر ذاته، ويرى موقفًا فيظن أنه رآه من قبل،وقد يخطر على باله شخص ثم يفاجأ باتصاله أو بلقائه بعد أيام، بل قد يزور مكانًا جغرافيًا لأول مرة فيتهيأ له أنه يعرفه وكأنه سبق أن وطئه.
هذه الظواهر دفعت الناس إلى البحث عن تفسير، فتعددت الأقوال بين من يسميها فراسة،
ومن يصفها بأحلام اليقظة، ومن يعزوها إلى إشارات خفية أو ذبذبات بين الأشخاص، ومن يربطها بما يسمى بالحاسة السادسة، بل ذهب بعضهم إلى أنها رؤية مسبقة لما سيقع في الحياة.
غير أن كثرة التفسيرات لا تعني صحة التفسير.
فالإسلام يقرر أصلًا واضحًا في هذا الباب، وهو أن الغيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.
والإنسان وإن كُتب له رزقه وأجله وعمله وهو في بطن أمه، إلا أنه لا يُعطى علم المستقبل، ولا تُعرض عليه تفاصيل أيامه قبل أن يعيشها، لأن ذلك لو صحّ لانتفى معنى الابتلاء، وسقط مفهوم الإيمان بالغيب.
أما ما يُتداول عن وجود إشارات ذهنية أو ذبذبات تنتقل بين الناس، أو ما يسمى بالحاسة السادسة، فليس له سند علمي ثابت، ولا دليل شرعي معتبر، وإنما هو توصيف شعبي شاع في المجالس ووسائل التواصل، يُراد به تفسير الإحساس لا إثبات الحقيقة.
والتفسير الأقرب لهذه الظواهر أنها مرتبطة بطريقة عمل الذاكرة والانتباه؛ فالإنسان حين يرى مشهدًا يشبه موقفًا سابقًا، أو يدخل مكانًا يشبه مكانًا رآه في صورة أو فيلم أو زيارة قديمة، يخلط عقله بين التشابه والزمن، فيتولد لديه إحساس بالألفة، فيقول: كأني رأيت هذا من قبل، وهو في الحقيقة يقول: هذا يشبه ما أعرفه.
أما مسألة أن يخطر شخص في البال ثم يظهر أو يتصل، فهي من باب المصادفة التي يلاحظها الإنسان ويتذكرها، بينما تمرّ عليه عشرات الخواطر الأخرى التي لا تتحقق فلا ينتبه لها، فيظن أن الفكر سبق الحدث، بينما الذي سبق هو الانتباه لا الواقع.
وهنا يظهر الفرق بين التفسير الواعي والتفسير المتعجل؛ فالتفسير الواعي يرى في هذه اللحظات دهشة إنسانية تذكّر الإنسان بضعفه وحدود إدراكه.
أما التفسير المتعجل فيجعل منها دليلًا على معرفة الغيب أو تلقي إشارات خفية عن المستقبل.
وهذا فرق خطير؛ لأن الأول يقود إلى التواضع والتسليم، والثاني قد يقود إلى الوهم والغرور.
إن هذه الظواهر ليست نبوءات، ولا كشفًا للمستقبل، ولا دليلًا على وجود قنوات خفية بين العقول أو الأرواح، بل حالات نفسية طبيعية تقع لكثير من الناس، ولا تستدعي خوفًا ولا تهويلًا، وإنما تحتاج إلى وعي يفرّق بين الإحساس وبين الحقيقة، وبين الدهشة والادعاء.
ومن الخطأ أن تُبنى عليها أحكام أو قرارات، أو تُفسر تفسيرًا غيبيًا مطلقًا، فالغيب لله وحده، والإنسان مأمور أن يعيش حاضره، ويعمل لمستقبله، دون أن يدّعي معرفته.
ويبقى الفارق واضحًا بين أن نقول: سبحان الله، وبين أن نقول: أنا أعلم ما سيحدث، فبين العبارتين مسافة شاسعة، اسمها: العقيدة.



