
(2) قصة عذاب القبر
عند قراءة العنوان يذهب بك الخيال إلى أن الموضوع وعظي أو ديني ، وحقيقة الموضوع أن الوعظ هو نهج حياة لا نستغني عنه ، سواء كان عبر قراءة كتاب أو سماع مقطع صوتي أو حتى دعاء من الوالدين أو أحد الأصدقاء.
لكن يبقى مصطلح عذاب القبر له وقعٌ خاص بي ، فكلما عادت ذاكرتي للوراء أتذكر تلك الجلسة التي اعتاد والدي رحمه الله تعالى أن يجمعنا فيها منذ أن وعيت على هذه البسيطة ، ولازالت تلك الإضاءة الخافتة المنبعثة من السراج التي تحيط بنا – وكأنها نورًا إلهيًا يحيط بنا لتشع قلوبنا وعقولنا فرحا وعلما – محفورة في ذاكرتي ، فبعد عناء يوم كامل تجتمع الأسرة بعد صلاة المغرب على دلة القهوة والتمر أو البسكويت.
جلسة حانية مفعمة بالحب
جلسة حانية مفعمة بالحب ومليئة بالعطف والرحمة ، كيف لا ؟ ؛ والأب والأم هم من يديرون هذه الجلسة وكأنها ديوانية من التربية والعلم ، التي قل أن نجد مثلها في ذلك الزمن أو الزمن اللاحق ، هكذا بدى لي.
لا تخلو هذه الجلسة من طرح الآراء ومناقشة المواضيع والخطط المستقبلية ولكن بشكل عفوي ، لكنه بكل تأكيد مقصود من قبل أبي رحمه الله تعالى ، فعند وجود القهوة فلا يتم تناولها حتى التأكد من أن جميع العائلة حولها مجتمعين ، والفانوس (السراج) يضئ من ناحية أو زاوية قريبة منا ، ولا يتخلف عن هذه الجلسة سوى من يعتذر لظرفه أو لعدم وجوده.
الطريف في الأمر
أن هذه العادة استمرت معنا لأكثر من 45 عاما هو بداية ما أتذكره , ولازلنا إلى هذا اليوم نحيي هذه الجلسة مع أمي حفظها الله تعالى ، وحتى في مرض أبي والذي استمر بضعة أعوام كنا نجلس بجانبه ليعيش اللحظة معنا، في بداية مرضه كان يسعد بهذه الجلسة حيث أنها ثمرة وغرسة كان هو بطلها ، كان يشاركنا الضحك والمرح ، وحتى عندما اشتد عليه المرض كنا أيضا نجلس بجانبه لأننا نعتقد تماما أنه يشعر بنا في داخله رغم أن حالته الظاهرة لنا غير ذلك.
الأغرب من ذلك
أننا كأبناء نقلنا هذه العادة إلى أسرنا ، وبدأنا نقوم بتعويد أبنائنا ما كان والداي يقومان به في صغرنا ، ذات ليلة قامت زوجتي (فاطمة ) بإحضار القهوة ، ووجدتني أنادي أولادي فيصل ومنال وأمال وعبدالسلام ونايف ، ليشاركونا الجلسة ، وهذا تماما ما يفعله أخواني وأخواتي مع أسرهم ، ثقافة جيل كامل رُسِمتْ بيد من قدروا للحياة قدرها وعرفوا كيف تمارس التربية في أسمى معانيها.
في تلك اللية البعيدة قبل ما يقارب 45 عاما وربما كان ذلك في العام 96 هجري ، كنا نجلس تلك الجلسة العائلية مع أبي وأمي ، وكان قبلها قد التحق أخي حسن بمدرسة نيد الضالع الابتدائية ، فكان الموسم الأول ، وأتى الموسم الثاني فعرض علي أبي – رحمه الله – أن التحق بالدراسة رغم صغر سني لكنني رفضت رفضا قاطعا ، فلم يجبرني على ذلك ، ولم يناقشني في الموضوع – قمة الفهم والإدراك للتعامل مع طفل السادسة من عمره -.
عندما أتذكر هذا الموقف
للتعامل مع أحد أبنائي فأجزم أنني لن أناقش ولدي بل سأجبره على الدراسة ، لكن أبي كان له رأي آخر ، وذهبت السنة دون دراسة . قبل العام التالي ، وفي ليلة أخرى من جلسات القهوة ، كان أبي رحمه الله يشرح لنا عن عذاب القبر ، وكيف أن الإنسان يجب عليه معرفة الله ومعرفة الدين ومعرفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وكنت مندمجاً مع الموعظة تماماً ، بل كنت أتخيل نفسي كيف سأجيب تلك الأسئلة ، كان ذلك تفكير طفل بلا شك ، لكنها رسائل انطلقت إلى وجداني وتفكيري دون حواجز.
عشت صراعاً كبيراً
في اليوم التالي عشت صراعاً كبيراً مع تلك القصة التي لم تبارح ذهني – ولازالت إلى اليوم – ولا أتذكر كم عدد الأيام التي احتجتها لأتخذ أهم قرار في حياتي ، كوني أنا من سوف يعيش تبعات هذا القرار ، وجاءت ساعة اتخاذ القرار ، ولكن كيف ستكون البداية ولمن ؟ ذهبت إلى أمي حفظها الله وأخبرتها بقراري العظيم وقلت لها : أنا مستعد لأن أدخل المدرسة العام المقبل .
كنت قبل اتخاذ هذا القرار قد أخذت كامل الاستعداد لتبعاته المرهقة ، فلا زالت صورة أخي حسن- وهو يحمل طاولة وكرسي الدراسة من مسافة 8 كيلومترات إلى المدرسة ليتعلم عليها بدل الجلوس على الحصير – عالقة في ذهني ، وكنت مستعدا للقيام بذات المهمة ، وكنت مستعدا أيضا للمشي إلى المدرسة في بيئة جبلية صعبة ومرتفعات شاهقة وفي أجواء متقلبة من أمطار وضباب وشمس – حال جميع طلاب مدارس فيفاء إلى يومنا الحاضر – لكني لم آبه بذلك كوني قد اتخذت قراري دون تراجع لأجل هدف العلم ومعرفة كيف سأجيب على الأسئلة في القبر.
لعل هذا هو أول قرار أتخذه في حياتي يعبر عن منعطف مهم في مسيرة الحياة , وعند تحليل بيئة اتخاذ هذا القرار في وقتنا الحاضر وجدت له مراحل رئيسية كانت كفيلة بنجاحه فالمشكلة صارت واضحة لي ، والمعلومات أيضا موجودة وتتمثل في طريقة الذهاب للمدرسة وكيفية حمل طاولة الدراسة ومسافة الطريق والتضاريس كلها كنت أدركها تماما , كما كنت أدرك أن هناك واجبات وعلي أن أذهب كل يوم للمدرسة ، وكنت أيضا أعرف أن هناك اختبارات وإجازات ، كل هذه المعلومات توفرت لدي من خلال أخي و المجتمع المحيط فلم أكن بحاجة لعقد اجتماعات مع النفس لمناقشة جمع هذه المعلومات ، ما كنت أفكر به وقتها أنه لا توجد طريقة أخرى للتغلب على مشكلة الجهل غير طلب العلم ، فالدراسة هي الخيار الوحيد حتى أستطيع أن أكون مؤهلا للإجابة على تلك الأسئلة ، وهو ما يعرف حاليا بدراسة البدائل . فوجدتني قد قمت بتلخيص كامل لما يجب أن أقوم به . فوضعته في جملة بسيطة ألقيتها على مسامع أمي : أريد أن أدرس العام المقبل.
وهكذا تم اتخاذ القرار
وقامت أمي بإبلاغ أبي رحمه الله الذي تهلل وجهه فرحاً ، وقام بأخذي للمدرسة وتم تسجيلي طالباً مستجداً في الصف الأول ابتدائي لعام 1397 هجرية.
وقفت أمام مدير المدرسة الابتدائية الأستاذ القدير والمربي الفاضل / موسى محمد الداثري الفيفي ، ذلك المدير كان في وقتها في ريعان شبابه – هذا ما تبين لي لاحقا – كنت أنظر إليه في مستوى مكتبه ، كانت له هيبة بالنسبة لي ، هذه الهيبة استمرت معي طوال سنين الدراسة ، وحتى ما بعد الدراسة ، كنت ألقاه في المناسبات ,فأجدني ذلك الطفل ابن السابعة من عمره تقديرا وإجلال له .
أعتقد بل أجزم أن هذا الشعور هو شعور كل من تتلمذ على يديه ، وعاش في جدران تلك المدرسة الحجرية التي رغم بساطتها لكنها كانت مليئة بشتى صنوف فنون التربية والتعليم الحديث ، الضرب كان شيئا لابد منه ، حيث أن الطلاب في مستويات عمرية مختلفة ، فتجد في الصف الأول مثلا طفل عمره 7 سنوات ، وتجد أيضا من تجاوز عمره 12 عاما ، بل قد لا أكون مبالغاً في ذلك إذا قلت أن في ذلك الصف من هو ابن الخامسة عشرة عاما .
تأقلمت سريعا
في الدراسة وأقبلت بشغف في طلب العلم ، وهكذا بدأت رحلتي الدراسية الأولى في مدرسة نيد الضالع الابتدائية.

عند اتخاذك للقرار, ما عليك سوى الاستعداد جيدا لتبعاته .
ارشيف الكاتب




مبدع كعادتك ابو فيصل
جميلة جدا ذكريات الطفوله
والأجمل الجو الأسري الحنون
قالو إذا مات أبوك فحضن الأم هو وسادتك، وإذا ماتت أمّك، فستنام على عتبة الدار
مبدع يا أبا فيصل ورحم الله خالي
مبدع في سرد تفاصيل القصة ، رحم الله والدك ووالدي وجميع موتى المسلمين .