مقالات

مذكرات ومواقف (5)

بقلم: موسى احمد العبدلي

مذكرات ومواقف (5)

دورة حياة حشرة 

جُبٍلَت النفس البشرية على حب الثناء والمدح ، وسماع الكلمات والجمل اللطيفة التي تشيد بفعل أو قول صدر منا . في حياتنا الاجتماعية أول كلمات الثناء والمدح نسمعها من الأم والأب منذ بدايات محاولة المشي الأولى والتقدم خطوة للأمام ، نسمعها من الأخوة والأصدقاء وزملاء العمل والمعلمين والمدراء ، ولا نبالي أحيانا حتى لو كنا نعلم أن هذا المدح فيه تملق خاصة في بيئة العمل أو لهدف الحصول على مصلحة ، فنعلم يقينا أن بعض كلمات المدح غير صحيحة .

موهبتي في الرسم

استمرت موهبتي في ممارسة فنون الرسم ، وحاولت دائما أن أطور من نفسي ، وكنت دائماً أضع البيت الخشبي أمام مخيلتي في كل لوحة  أقوم برسمها  ، وكنت أجيد ذلك وأشعر به في داخلي ، وعندما أنتهي من رسم اللوحة أعرضها على أمي وأبي وأخوتي ، وفي كل مرة لم أكن مستعداً للنقد ، بل كنت أريد أن أسمع الثناء والإطراء فقط ، ولعل هذا استمر معي طويلاً ، إلى أن اكتشفت ذلك وحاولت مقاومة نفسي وتعويدها للقبول بالنقد أيضاً ، حتى يكون هناك توازن في التعامل مع الأحداث واحترام الآراء .

طلب منا معلم مادة العلوم عمل لوحة عن دورة حياة حشرة الجرادة – الصف الرابع الابتدائي تقريباً – ، وقمت بعملي كما يجب ، وهذا ما أشعر به دائما  في كل لوحة أرسمها .

 أختر : اللوحة أو الكتابة ؟

ما حدث في هذه اللوحة كان مختلفاً عن سابقه  ، وهو ما كان من أحد معلمينا أثناء شرحه لنا إحدى المواد الدينية ، ففي نهاية الحصة كان يتأمل اللوحة التي رسمتها عن دورة حياة حشرة الجرادة المعروضة في جدار الفصل ، وكالعادة كنت أنتظر منه الثناء ، لكن هذه المرة حضر الناقد في وقت لم أتعود عليه ، فقال: موسى هذه اللوحة هل رسمتها أنت ؟ قلت نعم.

فقال : وهل أنت من قام بكتابة الشروحات على الصور المرسومة ؟ قلت له : نعم.

في لحظة كنت أتوقع منه الثناء قال : إما أنك أنت من رسم اللوحة أو أنك أنت من كتب الشروحات عليها!!.

وضعني أمام خيارين كأنه يقول لي أختر : اللوحة أو الكتابة ؟

قلت له وكنت على ما أظن أقسم :  أنا من رسمها وكتب عليها ، جاءتني أجابته : اللي يعرف يرسم يكون خطه جميل.

لم أستطع الإجابة بشيء ، خاصة أنني طفل تجربتي في الرد ضعيفة ، وهذا المعلم له هيبة أمامنا ، كما أن  حديثه إلي فيه إشارة  – كما فهمتها – أن هناك شخص غيري يقوم بالرسم ، مما جعل معنوياتي وثقتي بنفسي تهتز كثيراً ، خاصة أن كل ما دار من حوار كان أمام الطلاب ، فكان من الصعوبة الخروج من هذا المأزق الا بالصمت فقط.

وبعد هذه الحادثة  خف حماسي لممارسة هواية الرسم لدي نوعاً ما إلى أن اختفت تماماً فيما تبقى من المرحلة الابتدائية والمتوسطة ، رغم ما أملكه في قرارة نفسي من إمكانيات والتي كان سبب إبرازها معلم التربية الفنية الذي ذكرته في البيت الخشبي  وانتهت مع معلم المواد الدينية .

الإعلام المدرسي

لم تتوقف هواياتي عند الرسم فقط فقد كان هناك معلم سوادني  – لم أعد أذكر اسمه – كان له رأي آخر في مجال آخر  فعادت ثقتي في نفسي لدرجة أن المعلم السوداني كان يلقبني بــ  الهادئ ، وكنت ضمن فريقه المفضل في إذاعة المدرسة في الصف الخامس والسادس الابتدائي ، صحيح لم يكن للرسم هنا مجال لكن ثقتي بإمكاناتي ظهرت في مجال آخر وهو الإعلام المدرسي .

في صغرنا لا  ندرك معنى التحديات ، أو كيف نواجهها ، وهذا ما يحدث لأبنائنا ، لكن الدور يبقى على الآباء والمعلمين والمحيط الاجتماعي  في كيفية  المحافظة على ثقة الطفل في نفسه وإعادة  الثقة  المفقودة  له ، وقد يكون عبر طرق عملية بناءة في إعادة هذه الثقة حتى لو كان بتغيير بيئته التعليمية أو في إبراز موهبة جديدة .

مذكرات ومواقف (5)

مقالات للكاتب:

مذكرات ومواقف

01 المقال الأول : مذكرات ومواقف

02 المقال الثاني :قصة عذاب القبر

03 المقال الثال: لاعبا في فريق المدرسة

04 البيت الخشبي

زيارة الموقع

‫3 تعليقات

  1. وفقك الله يا أبا فيصل وضعتنا في نفس المواقف التي نحصل عليها سواء كانت ايجابيه او سلبيه اتحدث هنا في أيام الدراسه الابتدائيه وهي المرحله الحساسه .. فعلا هناك معلمين ايجابيين والعكس صحيح سلبيين وفي نظري قليلين ولكن مؤثرين … انت مبدع يا ابو فيصل في مجالات كثيره استمر ………

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى