
في الحضرة التي تنحني لها الأعمار، وتخشى الاقترابَ منها البلاغةُ مهما سمت، تقوم الأمُّ مقامًا لا يبلغه وصفٌ، ولا يطأه حرفٌ إلا وقد خلع نعليه عند عتبة القداسة. فالأمُّ ليست معنى يتجلّى، بل هي التجلي ذاته؛ وليست نورًا في الطريق، بل هي النور الذي تتبيّن به الطرقُ سبيلَها. هي سِرُّ الخلق الأول، وصوتُ الرحمة القديم، وميزانُ الوجود الذي لولاه لاختلّت السماوات والأرض في معنى العطاء.
وحيثما ذُكرت الأم ارتجفت اللغة، إذ تدرك أن مقامها أعلى من أن تُحيط به، وأجلّ من أن تُحاكمه المقاييس. فهي المَلِكة التي لا تُتوَّج، لأن التاج خُلِقَ ليبلغها، ولا يبلغها. وهي السقفُ الذي ظلّل النشأة، والنبضُ الذي رفع الروح من طينها إلى نورها. هي اليدُ التي بذرت فينا قيمًا لا تنطفئ، وكفٌّ لو شاءت لأطفأت بدمعةٍ منها طغيانَ العالم كلّه.
وليس الشعر في الأم مدحًا، لأن المديحَ يقف عاجزًا عند أوّل درجات هذا المقام. إنما الشعر سعيٌ بين يدي جلالٍ لا يُدرَك، وخشوعُ قلبٍ يعلم أن كلّ ما كتبه ليس وفاءً، بل قطرةٌ من بحرٍ لو غاضت محابر الدنيا فيه لما اقتربت من مداه. إن الأمّ فضلٌ فاض على الكون قبل أن يفيض على الأبناء، وعطاءٌ وُجد ليكون مِعيارًا للخير لا تابعًا له.
وهذه القصيدة — وإن عظُم بناؤها — ليست سوى نافذةٍ صغيرة على عظمةٍ لا يُحيط بها أفق. هي شهادةٌ يكتبها ابنٌ يعلم أن روحه لا تُذكر إلا وهي مدينةٌ لمن صاغت حبّاته الأولى من نور، ومنحته الحياة لا دفعةً واحدة، بل كلَّ يوم… وكلَّ لحظة… وكلَّ نبضة.
إلى أمّي…
إلى مقامٍ لو ارتقى إليه الشعرُ كلّه لهان، ولو سعى نحوه البيانُ كلّه لانكسر…
إليكِ يا سيّدة النور، يا أصلَ الهداية، يا جلالًا لا حدود له… أضع هذه الكلمات بين يديكِ، علمًا بأنكِ أوسعُ من اللغة، وأعلى من الوصف، وأقدسُ من أن يحيط بكِ المداد.
أُمّي وَلا شَيْءَ بَعدَ اللَّهِ حَيْثُ بَرَا
ذَاتِي.. سِوَاكِ بِقَلْبِي وَالوَرِيدِ جَرَا
أُمّي أَيَا سِرًّا أَبْصَرْتُ الزَّمَانَ بِهِ
وَيَا مُجَاوِزَةً بِي الشَّمْسَ وَالقَمَرَا
عَظُمْتِ مَدْرَسَةً طَابَتْ مَنَاهِلُهَا
تُعْلِي بَنِيها عَلَى هَامَاتِ كُلِّ ذُرَا
يَا مَنْ بَنَيْتِ صُرُوحَ العِزِّ شَامِخَةً
حَتَّى غَدَوْنَا نَرَى فِي ظِلِّكِ السُّوَرَا
والبِرُّ فِي النَّاسِ مِنْ أَصْلِ الطِّباعِ كَمَا
كَرَامَةُ الجَوْهَرِ الْمَكْنُونِ أَنْ طَهُرَا
وَإِنَّ صَفْوَ النُّفُوسِ الْغُرِّ ليس على
قَلبٍ بفارِضٍ إلا صَونَ مَا بَذَرَا
وقَد بذَرتِ وفاءً بي وَأُقْسِمُ لَوْ
أَسُوقُ فِيكِ دَمِي مَا بَرَّ أَوْ شَكَرَا
وَلَنْ أُجَازِيَ شَيْئًا مِنْ نَدَاكِ وَلَا
مِنْ فَضْلِكِ الجَمِّ وَالمُبْقِي بِيَ الأَثَرَا
وَإنْ خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ مُلْتَمِسًا
مَا رُمْتُ بَحْرَ عَطَايَاكِ الَّذِي زَخَرَا
فلا انْتَهَى لَكِ فِي رُوحِي الوَفاءُ أَيا
مَنْ لا يَزَالُ علَيْنا فَضْلُكِ المَطَرَا
مُبَاركا وعَلَيْهِ الرُّوحُ وَارِدَةٌ
أَصْدَاءَ كُلِّ جَمِيلٍ مِنْكِ قَدْ صَدَرَا
إذْ كُلُّ خَيْرٍ تَجَلَّى فِي يَدَيكِ لَنا
وَمِنْ دُعَائِكِ أَصْفَى مَنْبَعٍ ظَهَرَا
خُذِي فُؤَادِي وَأَيَّامِي وَمَا مَلَكْت
يَدِي فَمَا بَلَغَتْ فِي حَقِّكِ النُّذُرَا
وَلا جَزَتْكِ يَدِي وَالمُلْكُ مُجْتَمِعٌ
فَكَيْفَ وَالمُلْكُ شَتَّى فِي حِمَىً كَثُرَا
مَا العُمْرُ إِلَّا رَحِيقٌ مِنْ نَداكِ وَكَمْ
تُعْطِينَ بَذْلًا وَمَا اسْتَوْفَيْتِهِ ثَمَرَا
مَنْ مِثْلُكِ امْتَدَّ فِي الأَيَّامِ مَنْهَلُهُ
يُرْوِي الحَيَاةَ فَيُحْيِي قَلْبَ مَنْ ذَكَرَا
أُهْدِي إِلَيْكِ وِدَادًا لَا نفَادَ لَهُ
كَالنُّورِ مَا حَاطَهُ شَيْءٌ وَلَا انْحَصَرَا
ما إِن أَطَلّ بِمَا الوُجْدَانُ حَمَّلَهُ
إِلَّا تَجَلَّيْتِ عَرْشًا يَحْمِلُ الدُّرَرَا
لَأَنْعُمَنَّ بِشُكْرِ اللَّهِ مَا حَيِيَتْ
رُوحِي لِكَونِكِ أُمِّي قَلْبِي العُمُرَا
فَالْخَاسِرُونَ مَقَامَ البِرِّ مَا بَلَغُوا
يَوْمًا تَقَدُّمًا إِلَّا قَادَهُمْ لِـوَرَا
فَلْيُوقِظِ المَرْءُ قَلْبًا لَمْ يُفِقْ أَبَدًا
مَا دَامَ فِي العُمْرِ بَاقٍ فليَكُنْ لِيَرَى
فَالبِرُّ كَنْزٌ لِمَا الإِنْسَانُ قَدَّمَهُ
وَلَيْسَ يَخْسَرُ فِيهِ بَلْ بِهِ اتَّجَرَا
وَلَنْ تَرَى دَرَجَاتِ العِزِّ تَحْمِلُهُ
إِلَّا لِقَلْبٍ بِذَاتِ البِرِّ قَدْ عَمُرَا
أُمّاهُ هَذَا فُؤَادِي كُلُّ نَبْضَتِهِ
قَصيدَةٌ فِيكِ مِنْ قلبٍ بكِ ازْدَهَرَا
أَنْتِ اعْتِدَالُ حَيَاتي فِي تَوَازُنِهَا
وَكُنْتِ إِنْ مَالَتِ الأَيَّامُ لِي وَتَرَا
كَأَنَّنِي مِنْكِ فِي جُلِّ النَّعِيمِ رِضًا
وَمِنْ سِوَى قَدَمَيْكِ الجَنَّتَانِ ثَرَى
وَلَسْتُ أُحصيكِ فضلا أو قَضَيْتُ كمَا
أَوْلَيْتِ مَهْمَا بَذَلْتُ الجُهْدَ وَالفِكَرَا
وَمَا قَضَائِيَ دَيْنًا لَوْ أُوَازِنُهُ
بِالأَرْضِ مَالَ بِهَا .. فَلْيَقْضِ مَا أَمَرَا
لَوِ المِدَادُ مُحِيطٌ مَا كَفَى.. وَلَإِنْ
خَطَّ الشُّعُورُ دُنَاهُ فِيكِ وَالأُخَرَا
لَبِتُّ وَالقَلْبُ مِنْ عَيْنَيَّ مُنْسَكِبٌ
عَنْ أَبْحُرٍ لَا تَفِيكِ القَدرَ مُعْتَذِرَا
عبدالباسط حسن جبران الحكمي الفيفي
1447/6/15هـ




إبداع لا فض فاك و لا جف قلمك مبدع. ماشاء الله عليك
قصيدة مفعمة بالامتنان والجلال، تنساق أبياتها كأنها سجدات شكر لأمّ عظيمة.
لغة رفيعة، وصور قوية، وروح وفاء تشعّ من كل بيت… وكأن الشاعر يقيس حبّه بميزان لا يعرف الحدّ ولا الانتهاء.
قصيدة تجمع بين الفخامة والعاطفة، وتجعل القارئ يشعر أنّ الأم مقام لا يُكتب عنه إلا بجمال كهذا..
صح لسانك بعداد شعر راسك ماشاء الله تبارك الرحمن مبدع من يومك زادك الله فضل ونور
جميلة الأبيات و المقدمة كذلك.
ماشاء الله تبارك اارحمن لافض فوك يا أخي المبدع والمتألق دوما
صح لسانك ولا فض فوك ودمت بود
صح لسانك
قصيدة رائعة وجميلة جدا
صح لسانك
قصيدة رائعة وجميلة جدا
عَظُمْتِ مَدْرَسَةً طَابَتْ مَنَاهِلُهَا
تُعْلِي بَنِيها عَلَى هَامَاتِ كُلِّ ذُرَا
ما شاء لا قوة إلا بالله هنيئاً لك أمك وهنيئاً لأمك أنت رزقك الله برها ورضاها عنك.
قرأت المقدمة فقلت ما الذي أبقيت لشعرك! لنثرك أحسن من شعرك وما أن فرغت من القصيدة حتى قلت إن شعرك لأعذب من نثرك وكأنك تغرف كليهما من بحر واحد عذب فرات سائغ شرابه فتصبه في الأذهان حنانا ورحمة وعرفانا.خفظت جناح الذل حتى ظننتك ستؤلهها.فلله أنت ولا فض فوك إن نطقت ولا شلت يمينك إن كتبت.
ماشاءالله تبارك الله صح الله لسانك واعتلا شانك ابدعت ورب البيت
ما أجمل الحرف حين يولد من البرّ… فحرفك هذا ليس مديحًا، بل برٌّ متجسّد، وصدقٌ يمشي على هيئة قصيدة. حفظ الله والدتك، وأدام حضورها نورًا في أيّامك، وجعل ما كتبتَ شاهدَ وفاءٍ لا يزول
قصيدتك تنساب بين حروفها روعة البلاغة وعمق المعنى، حيث يتجلّى فيها الوفاء الطاهر كالجوهرة المخفية، ويُرى النبل والصدق في النفوس كما يشرق النور من قلب صافٍ. كلماتك تصنع صدىً يلامس الروح ويوقظ الإحساس بالجميل. وأسأل الله أن يبارك في والديك، وأن يرفع درجاتهما، ويجزيهما خير الجزاء، ويجعل برهما سببًا للخير والراحة في حياتك وفي حياتهما، ويغمرهما بفضله ورحمته ويطيل في أعمارهم على طاعته