مقالات

الحقد الدفين

د. مصلح البركات

ليس أخطر على المجتمعات من ذلك الشعور الصامت الذي يتخفّى خلف الابتسامات، ويتوارى تحت عبارات المجاملة، ثم يظهر فجأة في لحظة ضعف أو تعثّر.

الحقد الدفين ليس انفعالًا عابرًا، بل حالة نفسية متراكمة، تنمو في الظل، وتتغذّى على المقارنات، وسوء الظن، والشعور بالنقص أو الإقصاء.

الحاقد لا يعلن عداوته صراحة، فهو غالبًا عاجز عن المواجهة، فيختار الصمت سلاحًا، والانتظار استراتيجية. يراقب نجاح الآخرين لا ليبارك، بل ليبحث عن ثغرة، ويتابع إنجازاتهم لا إعجابًا، بل ترقّبًا للسقوط. لذلك يكون الحقد الدفين أكثر إيذاءً من الخصومة المعلنة؛ لأنك لا ترى الخطر قادمًا.

في بيئات العمل، يظهر الحقد الدفين في صورة تعطيل، أو نقل مشوّه للمعلومة، أو تشكيك مبطّن في الكفاءات. وفي العلاقات الاجتماعية، يتجلى في شماتة صامتة، أو فرح غير مكتمل بنجاح الآخرين، أو نصيحة مسمومة تُقدَّم بثوب الحرص.

أما في الفضاء الرقمي، فقد وجد الحقد الدفين مسرحًا واسعًا، يختبئ خلف حسابات وهمية، أو تعليقات جارحة، أو حملات تشويه لا تُعرف لها هوية واضحة.

غالبًا ما يعود الحقد الدفين إلى عجز صاحبه عن التصالح مع ذاته. فالشخص الراضي عن نفسه لا يضيق بنجاح غيره، والواثق من قدراته لا يرى في تفوق الآخرين تهديدًا.

لكن حين تتحول المقارنة إلى هوس، والطموح إلى غيرة، تنبت بذور الحقد، وتكبر بصمت.

المشكلة أن الحقد الدفين لا يدمّر الضحية وحدها، بل ينهك صاحبه أولًا. فهو شعور مستنزِف، يستهلك الطاقة النفسية، ويشوّه الرؤية، ويحوّل الحياة إلى سلسلة من الصراعات الداخلية.

لذلك فإن معالجته لا تكون بالمواجهة دائمًا، بل أحيانًا بالتجاهل الواعي، وبناء دائرة أمان قائمة على الثقة، والوضوح، والنجاح الصامت.

ويبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. وعيٌ يجعلنا نميّز بين النقد الصادق والحقد المتستّر، وبين النصيحة الأمينة والكلمة المسمومة. فالمجتمعات التي تنتصر للقيم، وتكافئ الجهد، وتحتفي بالنجاح، تقلّ فيها مساحات الحقد، ويضيق فيها مجال الدسائس.

في النهاية، قد لا نستطيع تغيير قلوب الآخرين، لكننا نستطيع أن نختار كيف نحصّن أنفسنا. فالنقاء ليس سذاجة، والنجاح ليس استفزازًا، والسموّ عن الأحقاد هو أعظم انتصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى