
يُعدّ صديق المصلحة واحدًا من أكثر العلاقات خداعًا في الحياة الاجتماعية، فهو لا يطرق الأبواب بعنف، ولا يكشف عن نواياه منذ البداية، بل يتسلل بهدوء، مبتسمًا، متقنًا دور القريب، حتى إذا استقر في دائرة الثقة بدأ أثره القاتل يتسلل ببطء. هذا الصديق لا يهاجمك صراحة، لكنه يستنزفك على مهل، ينهل من وقتك وجهدك ومكانتك، ثم يختفي حين تنقضي الحاجة، تاركًا وراءه فراغًا نفسيًا وشعورًا مريرًا بالخديعة.
صديق المصلحة يتقن لغة المجاملة، ويجيد الحضور في مواسم القوة والوفرة، فتجده أول من يصفق لنجاحك، وأشدهم التصاقًا بإنجازك، لكنه في العمق لا يرى فيك سوى فرصة. علاقته بك ليست مبنية على ودّ صادق أو مشاركة إنسانية، بل على حسابات دقيقة لما يمكن أن تقدمه له اليوم، وما قد يجنيه منك غدًا. وحين تتبدل الظروف، وتخفت الأضواء، وتتعثر الخطى، يبدأ انسحابه الصامت، كأنه لم يكن يومًا جزءًا من الحكاية.
خطورة صديق المصلحة لا تكمن في غدره فقط، بل في الأثر النفسي العميق الذي يتركه. فهو يزعزع الثقة في العلاقات، ويجعل الإنسان أكثر حذرًا، وربما أكثر قسوة في تعامله مع الآخرين. ومع تكرار التجربة، يتحول هذا النوع من الصداقة إلى قاتل بطيء للقيم، يقتل العفوية، ويضعف روح المشاركة، ويجعل السؤال عن النوايا يسبق كل مبادرة طيبة.
في المجتمعات التي تزداد فيها الضغوط المعيشية والتنافس المهني، يكثر هذا النموذج من العلاقات، ويغدو التمييز بين الصديق الحقيقي وصديق المصلحة أكثر صعوبة. فالأقنعة باتت متقنة، واللغة منمقة، والنيات تُخفى خلف عبارات الدعم والمؤازرة. غير أن المواقف الصعبة تبقى المعيار الأصدق؛ فمن يشاركك الخسارة كما شاركك الربح، ويقف إلى جوارك حين لا تملك ما تقدمه، هو وحده من يستحق صفة الصديق.
الوعي بهذا النوع من العلاقات لا يعني الانغلاق أو سوء الظن بالجميع، بل يعني إدارة الثقة بحكمة، ومنحها بالتدرج، وترك مساحة للاختبار قبل التسليم الكامل. فالصداقة الحقيقية لا تُقاس بما يُؤخذ، بل بما يُعطى دون انتظار مقابل. أما صديق المصلحة، فمهما طال بقاؤه، يبقى قاتلًا بطيئًا، لا يُدرك أثره إلا بعد فوات الأوان.




كالعادة مميز دكتور مصلح في مقالاتك وكل ما تكتب
ما شاء الله تبارك الله حقيقةً أنت فخرٌ لبني مالك الله يحفظك ويبارك في عمرك وعلمك 🌿
ليس جوهر العلاقات فيما تُعلنه من قرب، بل فيما يُمارسه الفرد من وعي عاطفي يتيح له جذب الآخر دون امتلاكه، وكسب الود دون استنزافه؛ فالمسافة الحكيمة بين النفوس قد تكون أعمق أثرًا من أي علاقة مباشرة