آداب

لِهذا أبْقيك سرًا

ا/محمدباجعفر

تبقى سرًّا لا أجيد قوله علنًا، ليس لأنني أخاف، بل لأن بعض المشاعر تفقد قداستها حين تُقال خارج أوقاتها. أبقيك في المساحات التي لا يصلها الضجيج، حيث يكون القلب وحده صادقًا، وحيث لا مجال للتصنّع ولا حاجة للتبرير. أبوح بك في اللحظات التي تتطهّر فيها الروح دون قصد، في وقت الأذان حين يلين كل شيء داخلي، فأشعر أن صوت السماء يمرّ بي قبلك، لكنه يدلّني عليك.

أبوح بك حين يهطل المطر، لا لأنني أحب المطر فقط، بل لأنه يشبهك؛ يأتي دون موعد، ويغسل ما علق في الروح من تعب الأيام. في تلك اللحظات، لا أطلب شيئًا، أكتفي بأن أذكرك بصمت، وكأنك دعاء قديم اعتدت أن أُخفيه في قلبي خوفًا عليه من الخيبة. أذكرك وأنا أنظر للأرض كيف تبتسم بعد العطش، فأدرك أن بعض الغياب ليس قسوة، بل حكمة لا نفهمها إلا متأخرين.

أبوح بك عند الصيام، حين يجوع الجسد ليشبع المعنى، وحين أكتشف أن الحرمان أحيانًا أقرب الطرق للاكتفاء. هناك، تتجلّى صورتك بلا ملامح محددة، بلا صوت، بلا وعد، لكن بحضورٍ كثيف يشبه اليقين. لا أحتاج أن أراك لأشعر بك، ولا أن أسمعك لأطمئن، يكفيني أنك تمرّ في داخلي مرور الطمأنينة في قلب المتعب.

وأبوح بك في كفّ السحر، حين يكون العالم نائمًا إلا القلوب الصادقة. في تلك اللحظة، لا أملك إلا صدقي، ولا أقدّم إلا ما أنا عليه، دون تجميل، دون ادّعاء. أضعك بيني وبين الله، لا كطلبٍ مباشر، بل كاعترافٍ هادئ بأنك تسكنني أكثر مما أُظهر، وأن حضورك في حياتي كان نعمة حتى وإن لم يكتمل، وأنك كنت درسًا جميلًا حتى وإن آلم.

تبقى فيّ ظلالًا وفيّة، لا تؤذيني ولا ترحل. تسير معي دون أن تُثقل خطوي، تذكّرني بأن بعض العلاقات لا تنتهي، بل تتحوّل. تبقى أمسًا جميلاً لا ألعنه، ولا أندم عليه، بل أبتسم له كلما عبر في ذاكرتي، لأنه شكّلني، لأنني كنت فيه صادقًا كما لم أكن من قبل.

وتبقى حلم العمر، لا لأنك تحقق، بل لأنك علّمتني معنى الحلم نفسه. علّمتني أن القلب قادر على الحب دون امتلاك، وعلى الشوق دون مطالبة، وعلى الوفاء دون انتظار مقابل. علّمتني أن بعض الأسرار لا تُقال، لا لأنها عيب، بل لأنها أكبر من الكلمات، وأصدق من أن تُقال في غير موضعها.

لهذا أبقيك سرًّا…
وأبوح بك فقط حين يكون الصمت أصدق من الكلام،
وحين أعرف أن الله يسمع،
وأن القلب، أخيرًا، لا يكذب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى