
لم يكن تراجع الذائقة الفنية، ولا العجز عن متابعة فيلم بطيء أو قراءة كتاب ممتد، ظاهرة جمالية معزولة، بل كان أول الأعراض الظاهرة لتحوّل أعمق أصاب بنية الانتباه الإنساني نفسها. ذلك التحوّل الذي جعل السرعة معيارًا، والإبهار بديلًا عن الفهم، والاختزال فضيلة لا عيبًا.
وما حدث في السينما، بوصفها مرآة للذائقة العامة، لم يلبث أن انتقل إلى الحقل الأخطر: التعليم.
فحين يعجز المتلقي عن الصبر على لقطة طويلة، أو فكرة تتشكّل ببطء، يصبح من الطبيعي أن يعجز الطالب عن مرافقة نصّ علمي ممتد، أو بناء حجة معرفية تحتاج زمنًا. وهنا يبدأ الخلل لا بوصفه تراجعًا في الذوق فقط، بل إعادة تشكيل للعقل ذاته.
لم يأتِ اختزال المناهج التعليمية من فراغ، بل كان استجابة مباشرة لجيل لا يحتمل الامتداد، وينفر من التعقيد، ويطلب الخلاصة قبل السؤال. وهكذا تقلّصت المناهج من كتب تتجاوز أربعمئة أو خمسمئة صفحة، إلى مذكّرات مختصرة ضحلة البنية، لا تُراهن على بناء الفهم، بل على تمرير المعلومة بأسرع طريق. ولم يكن ذلك مجرد تقليل في الكمّ، بل تغييرًا جذريًا في فلسفة التعليم: من تدريب العقل على الصبر، إلى تهيئته للاجتياز.
كانت المناهج الممتدة تؤدي وظيفة غير معلنة: إجبار الطالب على البقاء داخل الفكرة زمنًا كافيًا كي يتعثر، ويعيد القراءة، ويربط، ويشكّ، ويتأمل. هذه العمليات الذهنية لا تنشأ في بيئة السرعة، ولا في نصوص مختزلة تُقدَّم على هيئة عناوين وتعريفات جاهزة. وحين حُذفت هذه المساحة، لم تُختصر المعرفة فحسب، بل اختُصر العقل القادر على معالجتها.
كما تحوّلت السينما من تجربة تأملية إلى منتج ترفيهي سريع، تحوّل التعليم من مشروع لتكوين العقل إلى نظام لعبور الاختبار.
لم يعد السؤال: كيف تفهم؟ بل: كيف تنجح بأقل جهد؟ وهذا التحوّل يفسّر بوضوح ضمور القدرة على التحليل، وضعف الكتابة الأكاديمية، وندرة المشاريع الفكرية طويلة النفس لدى الدارسين. فالباحث الذي لم يُدرَّب على القراءة الطويلة، والتأمل الممتد، لن يُحسن التفكير الطويل، ولن ينتج معرفة تتجاوز التلخيص.
حين نقارن هذا الواقع بجيل سبقنا بثلاثة أو أربعة عقود، لا نفعل ذلك بدافع الحنين، بل بالملاحظة البنيوية. ذلك الجيل لم يكن أكثر ذكاءً بطبيعته، لكنه كان يُطالَب أكثر، ويُحاسَب على العمق، ويُدرَّب على الصبر الذهني.
الفرق لم يكن في العقول، بل في سقف التوقّع الذي فرضته المؤسسة التعليمية. وحين ينخفض هذا السقف، ينخفض معه الإنتاج، لا محالة.
كما أن السينما السريعة لا تترك للمشاهد مساحة للتأمل، فإن التعليم المختزل لا يترك للطالب مساحة للسؤال والحيرة. والمذكرة الجاهزة لا تُدرّب على الشك، بل على الحفظ. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن العقل الذي لا يسأل لا يفهم، ولا يُنتج، ولا يُراجع. وهكذا نصل إلى النتيجة الأخطر: مجتمع سريع الانفعال، ضعيف التحليل، هشّ في الفهم، لأن زمن الفكرة أُلغي من حياته اليومية.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة تعليم منفصلة، ولا أزمة ذائقة فنية مستقلة، بل أزمة واحدة متصلة: أزمة صبر، وزمن، وانتباه. اختُصرت اللقطة، فاختُصر المشهد. اختُصر المنهج، فاختُصر السؤال. ومع سطحية السؤال ضمر الفكر.
حين يتعوّد العقل على السرعة، يعجز عن الفهم، وحين يُربّي التعليم على الاختزال، يُنتج أجيالًا تعرف بسرعة… ولا تفهم بعمق.
كتبه: محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي



