مقالات

تطفيف الميزان بين العدل والظلم

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

ليست المأساة في خطأٍ يُرتكب مرة واحدة، بل في منظومةٍ كاملة تُرتكب بثبات وإصرار، ثم تُقدَّم على أنها قيم أخلاقية، أو حرصٌ على المصلحة، أو دينٌ ذو مكانة. فثمّة قبائح لا تعيش منفردة، بل تتآزر وتتعاضد، ويشدّ بعضها بعضًا، حتى يتحوّل الظلم إلى سلوكٍ معتاد، ويصير الاعتراض عليه خروجًا عن اللياقة والأدب، لا دفاعًا عن الحق ولا بحثًا عن الفضيلة.

تبدأ الحكاية غالبًا بميزانٍ مختلّ، يُقسِّم الناس لا بحسب أفعالهم، بل بحسب جنسهم ونسبهم وتديّنهم ومواقعهم في السلسلة الاجتماعية، وبما يقدّمونه من منفعة. فيُرفع الذكر لأنه ذكر، ويُحتفى بابن الابن لأنه امتداد للنسب، ويُهمَل ابن البنت لأنه فرع وابن قومٍ آخرين، كأن الرحم درجات، والكرامة امتيازٌ وراثي، لا قيمة إنسانية. وهذا، مهما تغيّرت ألفاظه، ومهما تلطف أسلوبه، ليس إلا خصلة صريحة من خصال الجاهلية، لا لأن الجاهلية كانت فجّة غليظة فحسب، بل لأنها كانت تقسّم البشر، وتمنح بعضهم حقّ الامتياز لمجرّد الموقع لا الاستحقاق.

ثم لا يلبث هذا التمييز أن يطلب لنفسه حصانةً تجعله خارج النقد والمساءلة، فلا يجد أيسر من الدين ستارًا وغطاءً للتخفي. هنا يظهر التديّن الشكلي، القائم على المظاهر لا على الأثر، لا بوصفه عبادة تُهذّب النفس وتصقل الروح، بل بوصفه لافتة تُعلّق فوق السلوك لتخفي ما لا ينبغي أن يظهر.

يُكثر صاحبه من الحضور، ومن الحكايات، ومن استدعاء المواسم والمشاهد، حتى يصنع لنفسه صورةً يصعب الاقتراب منها، لا لأنها صحيحة، بل لأنها محاطة بهالةٍ زائفة. وفي ظل هذه الهالة، لا يعود الدين ميزانًا يُقوَّم به الخطأ، بل درعًا يُصدّ به النقد، ويُستعمل لإسكات السؤال، وكأن العبادة شهادة تزكية خالدة، لا مسؤولية مضاعفة. والحق الذي لا يحتمل النقد ليس حقًّا، والدين الذي لا يمنع الظلم ليس تزكية، بل ادّعاء، مهما كثرت مظاهره وتنوّعت أفعاله.

ومع هذا التديّن الشكلي الخالي من الروحانية يتسلّل الاستعلاء الأخلاقي، لا في صورة تفاخرٍ صريح، بل في نبرةٍ خفية تقول: نحن أحرص، نحن أقرب، نحن أفهم، نحن أولى، نحن أتقى.

وحين يُنبَّه صاحب هذا الاستعلاء إلى كلمةٍ جارحة صدرت منه، أو موقفٍ كشف كِبرًا كامنًا فيه، لا يسأل أين الخطأ، ولا يراجع نفسه، بل يجزع من الاتهام ذاته، وكأن الخطأ متوقَّع من الجميع إلا منه.

هنا يُستدعى البكاء، لا بوصفه انكسارًا صادقًا، بل بوصفه أداة ضغط، ويُرفع الصوت لا طلبًا للتقويم، بل تعطيلًا له، وتُقلب الحقائق في لحظة واحدة: يصبح من قال الحقيقة قاسيًا، ومن أشار إلى الخلل مسيئًا للظن، ويُطالَب صاحب الضمير أن يعتذر، لا لأنه أخطأ، بل لأن وضوحه جرح صورةً اعتادت العصمة.

وحين تتكرر هذه الدائرة، مرة بعد أخرى، تمييز بلا اعتراف، وتديّن بلا أثر، وبكاء بلا مراجعة، ثم عودة هادئة إلى السلوك نفسه، لا يبقى في قلب المظلوم متّسع للشفقة. لا لأن القلب فسد، بل لأن العقل أدرك أن العاطفة تُستعمل وقودًا للخطأ لا علاجًا له.

وهنا تقع آخر طبقات الظلم: يُتَّهم المظلوم بالقسوة، لا من أصرّ على الانحراف، ويُلام من جفّت شفقته، لا من أجهز عليها بسلوكه المتكرر. في هذا الموضع تحديدًا، يُعاد تعريف القيم تعريفًا مقلوبًا، فيُوصَف الصدق بالحدّة، ويُتَّهَم العدل بالتشدّد، ويُكافَأ الخطأ بالصمت، ويُطالَب العقل أن يتنازل احترامًا للعاطفة.

هذه القبائح لا تُعالَج بحسن النيّة، ولا تُرمَّم بالمجاملات، ولا تُصحَّح بالخطب الوعظية ولا بكثرة الاستشهاد بالنصوص الدينية، ولا تُسقَط بالدموع. إنها تحتاج إلى تسمية صريحة، وتفكيك بلا تواطؤ، وشجاعةٍ تقبل أن يُقال لها: هنا انحرفت.

فمن أراد الإصلاح قبل المراجعة، ومن رفض المراجعة، لا يحقّ له أن يطلب الاحترام باسم الفضيلة. العدل لا يُستأذن، والحق لا يُؤجَّل، والجاهلية – مهما صلّت وصامت وحضرت وتزيّنت – تبقى جاهلية حتى يُكسَر ميزانها، ويُعاد الإنسان إلى موضعه الطبيعي: إنسانًا يُكرَّم بخلقه، ويُحاسَب بخطئه، ولا يُعفى لصورة، ولا يُغضّ الطرف عنه لقرابة.

وحين يُسمّى الظلم ظلمًا، ولو بكى فاعله، وتُسمّى الجاهلية جاهلية، ولو لبست ثوب الدين، عندها فقط يصبح للأخلاق معنى، ويغدو الصمت خيانة، لا حكمة، ويستعيد العقل حقه في أن يقول: هذا خطأ… ولن أجمّله.

كتبه : محمد بن سالم بن سليمان العبدلي الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى