إبراهيم السفياني صوت الذاكرة وروح الانتماء
قراءة نقدية في مشروع فني يعيد صياغة الموروث بروح العصر

كتبه الاعلامي حامد الطلحي الهذلي
حينما تتحول الثقافة وتتبدّل فيها أدوات التعبير، يظل السؤال قائمًا: كيف يمكن للموروث الشعبي أن يبقى حيًّا دون أن يفقد أصالته؟
هذا السؤال يبدو أنه يشكّل جوهر المشروع الفني الذي يقدّمه إبراهيم السفياني، بوصفه واحدًا من الأسماء التي اختارت أن تتعامل مع التراث لا باعتباره مادةً محفوظة في المتاحف، بل كطاقة متجددة قابلة للحياة كلما وُجد من يمنحها صوتًا صادقًا.
السفياني لا يقدّم الموروث باعتباره إعادة عرضٍ لما قيل، بل إعادة وعيٍ بما يعنيه. وهنا تظهر قيمة مشروعه؛ إذ يتحرك في مساحة دقيقة بين الأمانة للنص القديم، والقدرة على مخاطبة الذائقة الحديثة.
فلا يذيب التراث في المعاصرة، ولا يعزله عنها، بل يصنع بينهما منطقة التقاء تجعل المستمع يشعر أن الماضي ليس بعيدًا، بل يسكن داخله.
من الناحية النقدية، يمكن ملاحظة أن تجربته تعتمد على ثلاثة مرتكزات واضحة:
المعرفة بأصول النصوص، الإحساس في الأداء والرسالة التي تتجاوز الطرب إلى تعزيز الهوية.
ولعل ما يميّزه حقًا أن التطوير لديه ليس انقلابًا على الشكل القديم، بل توسيع لدائرة التلقي. إنه يعمل على أن يسمع الجيل الجديد الأغنية الشعبية دون حواجز زمنية، وأن يتفاعل معها بوصفها جزءًا من يومه، لا مجرد ذكرى من تاريخ آبائه.
في مشاركاته بالمناسبات الوطنية، تتضح هذه الرؤية بصورة أكبر؛ إذ يتحول الموروث من فنٍ احتفالي إلى لغة جامعة تعبّر عن الانتماء. وهنا تتعانق الحنجرة مع الراية، ويصبح الصوت حاملًا لمعنى الوطن، لا مجرد لحن.
كما أن حضوره في الفضاء الرقمي أسهم في نقل التراث من حدوده المحلية إلى نطاق أوسع، حيث بات المتلقي من مناطق مختلفة قادرًا على التعرف على أنماط فنية ربما لم تكن تصل إليه من قبل.
وبهذا المعنى، يشارك السفياني في ديمقراطية الوصول إلى الموروث، وفي جعله متاحًا لكل من يبحث عن جذوره.
إن التجربة التي يقدمها إبراهيم السفياني تفتح بابًا مهمًا في النقاش الثقافي حول كيفية حماية التراث. فهي تقول ببساطة:
لن نحفظه إذا جمدناه، بل نحفظه إذا أبقيناه حيًا في الصوت، وفي الشعور، وفي الوجدان.
إنه حين ينشد، لا يمنحنا لحظة طرب فقط
بل يمنحنا فرصة أن نلتقي بأنفسنا.



