آداب

رحلة في الخيال

ا/ محمد باجعفر

يمكن أجملُ سفريةٍ في حياتي
هي تلك التي لم أحجز لها تذكرة،
ولم أقف فيها أمام شباك الخطوط،
ولم أرتّب لها حقيبة،
ولم أعلّق بطاقة اسم على مقبضها.


سفرية لا يقيّدها موعد،
ولا تربطها جهة وصول،
ولا يختصرها رقم مقعد قرب النافذة.


هي فكرة تكبر داخلي كل يوم،
تمشي في رأسي أكثر مما تمشي الطائرات في السماء،
وتعبر قلبي أكثر مما تعبر الحدود والجوازات.


أراها أحيانًا واضحة
كمدينةٍ أعرف شوارعها،
وأحيانًا غامضة
كطريقٍ في الضباب.
لا أعرف هل وجهتها مكان
أم حالة،
أم زمنٌ مختلف أصل إليه
وأصل فيه إلى نفسي.


ما زالت في الخيال، نعم،
لكنها ليست هروبًا من واقع،
بل شوقٌ لواقعٍ أجمل.


أنتظر وقتها
كما يُنتظر المطر بعد صيفٍ طويل،
وكما يُنتظر الفرج
بعد صبرٍ لا يراه أحد.


أؤمن أنها ستأتي،
ليس لأن الأمنيات تتحقق دائمًا،
بل لأن بعض الرغبات الصادقة
تصنع طريقها بنفسها.


قد لا تكون سفرًا بين دول،
ربما تكون سفرًا من تعبٍ إلى راحة،
من ضيقٍ إلى سعة،
من ازدحام الروح إلى هدوئها.


وقد أكتشف حين أصل
أن الوجهة لم تكن هناك بعيدًا،
بل كانت تنضج داخلي
طوال الوقت.


لهذا لا أستعجلها،
ولا أرهقها بالتخطيط،
أتركها تكبر بهدوء،
حتى يأتي يومٌ
أجدني فيه قد وصلت
دون أن أشعر بطول الطريق.


تلك هي أجمل سفرية محتملة:
أن تصل إلى حياةٍ
تشبهك أكثر،
وإلى قلبٍ
أخفّ حملًا،
وإلى روحٍ
تعرف أخيرًا أين تريد أن تقيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى