
كثيراً ما تتردد على الألسنة عبارة «الأقارب عقارب» بوصفها خلاصة تجربة مريرة مرّ بها بعض الناس، حتى أصبحت عند فئة منهم حكمة جاهزة تُستدعى كلما وقع خلاف عائلي أو سوء تفاهم بين قريبين. غير أن تعميم هذه العبارة وتحويلها إلى قاعدة اجتماعية ثابتة يحمل ظلماً كبيراً لمعنى القرابة، ويشوّه قيمة من أعظم القيم التي قامت عليها مجتمعاتنا.
القرابة في أصلها رابطة رحمة ومودة، وهي قبل أن تكون علاقة دمٍ ونسب، منظومة أخلاقية تقوم على التراحم والتكافل وصلة الرحم. لكن ما يحدث أحياناً من صراعات على الميراث، أو منافسة على المصالح، أو غيرة اجتماعية، يجعل بعض النفوس الضعيفة تتحول إلى مصدر أذى لأقرب الناس إليها، فينشأ الألم من حيث يُنتظر الدعم، ويأتي الجرح ممن كنا نظنه سنداً. ومن هنا وُلد هذا المثل القاسي.
الحقيقة أن المشكلة ليست في القرابة ذاتها، بل في النفوس التي لم تُهذَّب، وفي الأخلاق التي لم تُصقل. فكما أن بين الأقارب من قد يسيء ويؤذي، فإن فيهم أيضاً من يقف معك حين يبتعد الآخرون، ومن يفرح لفرحك بصدق، ويحزن لحزنك بلا تكلّف. وكم من إنسان لم يجد بعد الله إلا أخاه أو عمه أو ابن خاله وقت الشدائد. هؤلاء لا يذكرهم أصحاب النظرة المتشائمة، لأن التجارب السلبية غالباً ما تكون أعلى صوتاً من المواقف النبيلة.
إن تحويل الخلافات الفردية إلى أحكام عامة خطأ كبير. فليس كل قريب عقرباً، كما أنه ليس كل غريب ملاكاً. العلاقات الإنسانية تقوم على طبائع الناس لا على صلة الدم وحدها. ولذلك فالعاقل هو من يفرّق بين الإساءة والشخص، وبين الخطأ والقرابة، فلا يقطع أرحامه بسبب تجربة سيئة، ولا يسمح في الوقت نفسه لأحد أن يستغل طيبته بحجة القرب.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تعيد للقرابة مكانتها الحقيقية، وتُعلي من قيم التسامح والتغافل وحسن الظن. فبدلاً من أن نردّد الأمثال الجارحة، الأولى أن نسعى لإصلاح ذات البين، وأن نعلّم أبناءنا أن الخلاف العابر لا يُسقط حق الرحم، وأن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة وتماسكها.
قد يوجد بين الأقارب من يشبه العقرب في طبعه، لكن هذا لا يعني أن نحكم على البستان كله بسبب شوكة واحدة. فالأصل في القرابة أنها دفء وأمان، وما عدا ذلك استثناء لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة.
- قرية جازان التراثية: وجهة سياحية تعكس عمق التراث والثقافة في موسم “شتاء جازان
- مدرسة المجروب والمعزاب تكرم مديرها السابق حسن محمدعواف بعد خدمة(18)عاما مديرالها
- تكريم الإعلامي حامد الطلحي الهذلي في المؤتمر الدولي الثامن للغة العربية
- فرسان السلام تطلق المجلس السياحي الرقمي الدولي
- ختام المؤتمر الدولي الثامن للغة العربية وآدابها بجدة



