مقالات

كورونا.. قصة من الماضي

كتبه عيسى بن سليمان الفيفي

لمَّا نلتفت اليوم إلى الوراء، ونقلبُ صفحات ‏الذاكرة القريبة، تطالعنا قصةٌ ثقيلة الظلِّ، عميقة ‏الأثر، اسمها كُورُونا. ‏

قصة لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بالقلق، ‏وبالدُّموع، وبأنفاسٍ محجوزة خلف الكمَّامات، ‏وبأبوابٍ أُغلقت فجأة على عالمٍ لم يكن مستعدًا لكل ‏ذلك الصمت.‏


جاءت كورونا على حين غفلة، كضيفٍ غير مرحَّب ‏به، لا يحمل في يده سوى الخوف. ‏


غيَّر تفاصيل الحياة البسيطة قبل الكبيرة؛ المصافحة ‏التي كانت عادة، والعناقُ الذي كان لغة، والجلوس ‏القريب الذي كان أُلفة، صارت كلها محظورات.


تباعدت الأجساد، واقترب القلق، وامتلأت ‏البيوت بأخبارٍ تتناقلها الشاشات، وأرقامٍ ترتفع، ‏وقلوبٍ تدعو أن تمرَّ العاصفة بأقل الخسائر.‏


كان العالم كلُّه يعيش التجربة ذاتها، لكن لكل بيت ‏حكايته، ولكل قلب وجعه الخاص.


مرضى صارعوا الألم، وأطباء وقفوا في الصفوف ‏الأولى، يواجهون المجهول بثباتٍ نادر، وأسرٌ ‏ودَّعت أحبابها دون وداعٍ يليق بالفراق. ‏
كان الموت حاضرًا في الأخبار، والنجاة أملًا معلَّقًا ‏بالدعاء والاحتياط والصبر.‏


ومن أكثر مشاهد القصة إيلامًا، تلك المساجد التي ‏خلت من روَّادها، بيوتُ الله التي اعتادت السجود ‏والصفوف المتراصَّة، بقيت صامتة، لا يؤنسها إلا ‏صوت المؤذِّن، يرفع الأذان ثم يعود وحده. ‏


صلَّينا في البيوت، وصمنا رمضان بعيدًا عن ‏التراويح، وأقمنا الجمعة ظهرًا، واستقبلنا العيدين ‏بفرحٍ منقوص. ‏
كان الامتحان قاسيًا، لكنَّه كشف معنى الطاعة في ‏أوسع صورها، طاعة الله في العبادة، وطاعته في ‏حفظ النفس.‏


علَّمتنا كورونا أن النعمة لا تُعرف إلا عند فقدها، ‏وأن الاجتماع فضل، وأن السلام والعناق عبادة ‏خفيَّة لا نشعر بقيمتها إلا حين تُمنع. ‏


علَّمتنا أن الإنسان ضعيف مهما بلغ علمه، وأن أمرًا ‏لا يُرى بالعين قد يقلب العالم رأسًا على عقب. ‏


وفي الوقت ذاته، أظهر أجمل ما في البشر؛ التضامن، ‏والتكافل، والحرص على الآخر، والدعاء الصادق ‏في ساعات الخلوة.‏


ثم مضت الأيام، وخفَّ الوباء، وعاد الناس تدريجيًا ‏إلى حياتهم. ‏


فُتحت المساجد، وعادت الجماعة، وإن كانت ‏بخطواتٍ مترددة في البداية. ‏


عدنا بكمَّامات ومسافات، لكن بقلوبٍ أكثر امتنانًا. ‏


أدركنا أن العودة نفسها نعمة، وأن الركعة في ‏المسجد بعد الانقطاع ليست كغيرها، وأن السلام ‏بعد المنع له طعم خاص.‏


واليوم، حين نقول: كورونا قصة من الماضي، لا ‏نقولها نسيانًا، بل وعيًا.


هو ماضٍ نحمله معنا درسًا لا يُمحى، وتجربةٌ ‏صاغت وعينا، وذكَّرتنا بأن الصِّحة كنز، وبأن ‏القرب من الله تعالى لا تحدُّه الأماكن، وبأن الشدائد ‏تمضي، لكن آثارها تبقى لتعلِّمنا كيف نعيش أبسط ‏أيامنا بشكرٍ أعمق.‏


هكذا نطوي صفحة كورونا، لا كحكايةٍ مخيفة ‏فقط، بل كفصلٍ من حياتنا جعلنا أكثر إدراكًا لقيمة ‏الإنسان، وأكثر حرصًا على النعمة، وأكثر يقينًا بأن ‏بعد العسر يسرًا، وأن ما مضى، وإن كان مؤلمًا، فقد ‏صار اليوم… قصة من الماضي.‏


23 / 7 / 1446هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى