مقالات

سِرُّك في بِئر

د. مصلح البركات

من أقدم الأمثال التي تربّت عليها آذاننا منذ الطفولة عبارة تقول: «سِرُّك في بئر». جملة قصيرة لكنها تحمل فلسفة حياة كاملة، وتختصر خبرات أجيال تعلّمت – بالتجربة أحيانًا وبالندم أحيانًا أخرى – أن الكلمة إذا خرجت من فم صاحبها لم تعد ملكه. فالسر أشبه بطائرٍ جميل، ما دام حبيس الصدر ظل آمنًا، فإذا أُطلِق في الهواء أصبح صيده سهلًا لكل عابر.

كثيرون يظنون أن الحديث عن الأسرار نوع من الفضفضة البريئة، أو وسيلة لتخفيف ما يثقل القلب. وربما يكون ذلك صحيحًا في ظاهره، لكن الواقع يثبت أن معظم المتاعب تبدأ من لحظة البوح الأولى. فالإنسان حين يأتمن غيره على ما في داخله يفتح بابًا قد لا يستطيع إغلاقه مرة أخرى، لأن السر بطبيعته يحب الانتشار، وما إن ينتقل من شخص إلى آخر حتى يفقد معناه الحقيقي ويصبح حكاية قابلة للزيادة والنقصان والتأويل.

نحن نعيش في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أسرع من الريح، تنتقل عبر الهواتف ومواقع التواصل في ثوانٍ معدودة. لم يعد هناك “بئر” حقيقي نلقي فيه أسرارنا، بل آبار افتراضية لا قاع لها، وكل حرفٍ يُقال قد يتحول إلى صورة أو رسالة أو تسجيل. ولهذا صار الاحتفاظ بالسر مهارة نادرة، لا يتقنها إلا من يعرف قيمة الصمت وحدوده.

المشكلة أن بعض الناس يخلط بين الثقة وحسن الظن من جهة، وبين الحذر والحكمة من جهة أخرى. فيمنح أسراره بسهولة ظنًا أن الجميع أوفياء، ثم يكتشف متأخرًا أن القلوب تتغير، والعلاقات تتبدل، وأن من كان اليوم موضع اطمئنانه قد يصبح غدًا سبب قلقه. وعندها لا ينفع الندم، لأن السر إذا خرج لا يعود.

ليس المقصود أن يعيش الإنسان منغلقًا أو شكاكًا في كل من حوله، فالحياة لا تُبنى على الريبة الدائمة. لكن الحكمة تقتضي أن نُحسن اختيار ما نقول، ولمن نقول، ومتى نقول. فبعض الكلام ثقيل لا يحتمل المشاركة، وبعض الأسرار جمالها في بقائها مخبأة، مثل لؤلؤة لا يليق بها إلا أعماق البحر.

كم من صداقة تصدّعت بسبب كلمة أُفشيت، وكم من علاقة أسرية اهتزّت لأن خبرًا خاصًا خرج من دائرة الكتمان. وكم من إنسان دفع ثمن لحظة ضعفٍ ظن فيها أن الحديث سيخفف عنه، فإذا به يضاعف همّه ويضيف إلى مشكلته مشكلة جديدة.

لذلك تبقى النصيحة القديمة صالحة لكل زمان: اجعل سرّك رفيقك الوحيد. حدّث نفسك قبل أن تحدّث الآخرين، ووازن بين حاجتك للكلام وحقك في الأمان. فالصمت أحيانًا ليس عجزًا، بل قوة، والكتمان ليس انغلاقًا، بل حصانة.

وفي نهاية الأمر، يدرك العاقل أن أثمن ما يملكه الإنسان لسانه وقلبه، وأن أفضل مكان تحفظ فيه الأسرار هو ذلك البئر العميق الهادئ داخل صدرك، حيث لا يصل إليها فضول الناس ولا تقلبات الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى