-A +A
عبداللطيف الضويحي
لقد برهنت الأزمات العربية أزمة بعد أزمة على أهمية وحتمية دور جامعة الدول العربية، فغياب دور هذه الجامعة أو ضعفه لا يعني الاستغناء عنه أو أن هناك من يمكنه أن يملأ هذا الدور، بل يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن ليس هناك من يمكنه أن يملأ هذا الفراغ الذي ينشأ عن غياب دور الجامعة العربية ويفرض أكثر فأكثر ضرورة إحياء دورها مع تغيير جوهري بنظام وآلية اتخاذ قراراتها وتوسيع دورها.

إن التطورات والصراعات الإقليمية والدولية في هذا المنعطف الزمني السياسي الرقمي العلمي الفريد، تفرض على دولنا العربية الوقوف بجدية ووعي وضمير في مواجهة الأسئلة الصعبة لحاضر ومستقبل الأمة العربية، بما في ذلك جامعة الدول العربية وقراءة أبجديات الجامعة ونطاق عملها وتفعيل دورها وتحديث أنظمتها وإدارتها وآليات عملها في ضوء التطورات العالمية، بعد عقود مضت على تأسيسها، وضرورة إخضاع الجامعة العربية للحوكمة والرقمنة، بل ومأسسة قرارات الجامعة العربية السياسية والاقتصادية والثقافية بما في ذلك المنظمات المنبثقة عن الجامعة.


إن جامعة الدول العربية ليست بديلاً عن أي دولة عربية، وليست لتتقاطع مع سيادة أي دولة عربية، لكن الجامعة لا بد أن تتكامل وتكمل كل جهد عربي لخدمة دولة بعينها أو الدول العربية ككل. كما أن الأزمات التي مرت بها العديد من دولنا لا بد أن تترك خبرة وتجربة ثرية لدى خبراء الجامعة يمكن توظيفها والاستفادة منها في تشخيص ومعالجة الكثير من المشكلات التي تعاني منها دول عربية أخرى أو قد تعاني منها دول أخرى. فأين تجربة الجامعة العربية وخبراؤها في أزمة الشعب الفلسطيني التي يعانيها من الاحتلال الإسرائيلي والأزمة التي عانى منها الشعب العراقي من الاحتلال الأمريكي وتلك التي عانى وتعاني منها سوريا والشعب السوري ولا يزال يعاني مع احتلال عدد من الجيوش للأرض السورية واحتلال الشعب السوري والقرار السوري وتتسبب بنزيف لا يتوقف من اللاجئين والمهاجرين، ناهيك عما تعاني منه لبنان وليبيا والصومال وغيرها من الدول العربية؟

هل يوجد لدى جامعة الدول العربية خبراء في الشأن العراقي وخبراء في الشأن السوري وخبراء في الشأن الخليجي وخبراء في الشأن المغاربي؟ هل لدى الجامعة العربية خبراء في الشأن الأفريقي والآسيوي واللاتيني؟ لماذا لم تنجح الجامعة العربية في تفريخ خبراء في العلاقات العربية الصينية والعلاقات العربية الهندية والعلاقات العربية الروسية والعلاقات العربية اللاتينية على سبيل المثال؟

لماذا لا تعمل الجامعة على جدول سنوي للندوات والمؤتمرات والمنتديات لأهم القضايا العربية وغير العربية والتي ستعقدها الجامعة خلال عام؟ ما هي إستراتيجية الجامعة العربية لحماية وصيانة ونشر اللغة العربية مع التدهور الملحوظ في مقررات تدريس اللغة ومستوى مدرسيها وعدم اكتراث صاحب القرار بهذا الشأن؟

ما هي فلسفة ورؤية ومفهوم الجامعة العربية للهوية العربية؟ لماذا لا تقرر الجامعة العربية عاماً للتنمية في موريتانا على سبيل المثال وبعدها جيبوتي وبعدها جزر القمر بالتداول؟

لماذا يقتصر دور الجامعة العربية على الدول العربية المأزومة فقط ويغيب دورها الوقائي والمناعي الاستباقي من الأزمات؟ لماذا لا تتحالف الجامعة العربية مع الاتحاد الأفريقي استناداً للتشابه بين الظروف التي تمر بها الدول العربية والدول الأفريقية التي تحتم التحالف ما بين جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والعمل سوياً على المشتركات بينهما؟ ولماذا لا تتحالف الجامعة العربية مع المجموعة الإسلامية للعمل سوياً على المشتركات وغيرها من المنظمات الإقليمية التي تخدم وتعزز أهداف الجامعة والدول العربية؟

أخيراً، لم تكن سوريَّة أزمتَنا العربية الأولى، ولن تكون السودان أزمتَنا العربية الأخيرة، إنما الخطر الذي يتهدد هويتنا العربية ويتربص بمصير دولنا العربية وشعوبنا في الحاضر والمستقبل يحتِّم علينا بأن نعتقد يقينا بأن «ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك»، وأن الأزمات التي تعصف بعدد من دولنا العربية مهما تعددت أسبابها وتعقّدت وتعمّقت خيوطها لا يمكن أن تنتهي طالما أن من يمسك بملفاتها ما يسمى بـ«المبعوث الدولي» و«الوسيط الدولي» خاصة الغربيين منهم، والذين يدخلون لأزماتنا خدمة لمصالح وأجندات دولهم ومصانع أسلحتهم ونفوذ شركاتهم. ولنا في تصريحات مفتشي أسلحة العراق عبرة ودروس، من هنا علينا ألا نترك أزماتنا بلا حلول، وعلينا أن أزماتنا ستطول وتتعقد، ما لم يكن المبعوثون والوسطاء من خبراء الجامعة العربية والدول الصديقة التي تشاركنا مصالحنا وأخطارنا.