-A +A
طلال صالح بنان
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثامنة والسبعين يوم الجمعة قبل الماضية، ساق الكثير من المغالطات، متحدياً حقائق التاريخ وواقع الجغرافيا، مستخفاً بعقول بعض أعضاء الوفود الذين قاطعوا فقرات من خطابه بتصفيقٍ لا يكاد يُسمع من خجل وحرج من سمحوا لأنفسهم بأن يلعبوا دورَ مجاميع «الكومبارس» في مسرحية هزلية هابطة.

المستر نتنياهو، في ذلك الخطاب، منَّى نفسه، مخادعاً الإسرائيليين، قبل أن يخدع العالم، بأمنياتٍ، لا تخرج عن كونها أضغاث أحلام، هي بمثابة «كوابيس» تقض مضجعه، أكثر منها أحلام يقظة تراوده، حتى لا يعلم ليله من نهاره. تلك الأماني، من شدة استحالة تحقيقها، تُظْهِرُ بجلاء كم هي ذات صلة بمصيره السياسي وحريته، أكثر من كونها تخص الشعب اليهودي... دعك من كونها ذات علاقة بقضية السلام في أرض الرسالات.


لندع المستر نتنياهو يغرق في كوابيسه وأضغاث أحلام يقظته، فذلك شأنٌ يخصه وحده. ما يهمنا في خطابه هنا، ويهم كل محبٍ للسلام، ما جاء في خطابه من مزاعم وأكاذيب، لا تخفى على أحدٍ، دعك من قدرتها على تحدي ضمير الإنسانية.. أو خداعِ الأحرار من محبي السلام في العالم، أو حتى تطلعات اليهود في السلامِ والأمن، بل وحتى مصير وجود إسرائيل نفسها.

المستر نتنياهو فاجأ الوفود الحاضرة بخريطة لإسرائيل تشمل فلسطين التاريخية، دون وجود أي أثر لدولة فلسطينية، حتى قطاع غزة، دخل ضمن هذه الخريطة، بالإضافة إلى أراضٍ محتلة تابعة لدولٍ عربية، شمالاً! الشيء الخطير في هذا المشهد العبثي للمستر نتنياهو، زعمه: أن هذه الخريطة تعود لإسرائيل منذ إعلان قيامها ١٤ مايو ١٩٤٨! يريد المستر نتنياهو من وراء استعراضه لهذه الخريطة «الضِرَار» أن يوجِد شرعية للدولة اليهودية، تأسيساً لواقع فرضته بالقوة، بعد عشرين سنة، بعدوانها على الفلسطينيين والعرب في حرب ١٩٦٧. بينما الخريطة «الرسمية» لإسرائيل، التي رُسمت نتيجةً لسياسة «الدولة» العبرية التوسعية منذ إعلان قيامها وحتى حرب الأيام الستة (١٩٦٧)، رغم زيفها هي الأخرى وتعترف بها الكثيرُ من الدول!، تُخْرِجُ الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس والجولان وأراضي محتلة في جنوب لبنان من خريطة إسرائيل.

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: ١٨١ نوفمبر ١٩٤٧ قَسَّمَ فلسطين بين دولتين يهودية وعربية. أعطى القرار الدولة اليهودية حوالي ٥٧٪ من مساحة فلسطين التاريخية (١٤ ألف كيلو متر مربع)، يقطنها حوالي ٧٥٠ ألف نسمة، يتقاسمها العرب واليهود تقريباً مناصفةً، حيث يملك السكان العرب ثلثي أراضي وعقارات الدولة اليهودية. في المقابل أعطى قرار التقسيم حوالي ٤٣٪ من الأراضي للدولة العربية، يقطنها أكثر من ٧٥٠ ألف نسمة، بينهم ١٠ آلاف يهودي، فقط. أما مدينة القدس فقد رُبِطَت إدارياً وسياسياً بالدولة العربية، مع ضمانات دولية بحرية الدخول لمعتنقي الديانات الثلاث لزيارة الأماكن المقدسة في زهرة المدائن.

كل هذه الحقائق التاريخية والجغرافية والديمغرافية، التي جاءت في قرار التقسيم، حيث كانت بمثابة شهادة ميلاد «سفاح» لإسرائيل تجاهلها المستر نتنياهو، باستعراضه خريطة «ضِرَارٍ» لإسرائيل، متجاهلاً تماماً، وبلا خجل، وجود دولة عربية ولدت في نفس قرار تقسيم فلسطين!

أراد المستر نتنياهو من استعراض تلك الخريطة «الضِرار» أن يُسَوِّقَ الاعتراف بدولة عنصرية يهودية (خالصة) في فلسطين، على حساب حقوق غير قابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، الذي هو بحقائق التاريخ وواقع الجغرافيا صاحب الحق الأصيل في كل فلسطين.

لقد بلغت الوقاحة أن طلب اعتراف العرب والفلسطينيين بهذه الدولة المزعومة والتطبيع معها، متهماً العربَ والفلسطينيين بالتحريض على كراهية اليهود، وكأنه يوقظ عقدةَ ذنبٍ عند الغرب في مسألة العداء للسامية، حيث شكّلت المسألة اليهودية في تاريخ وثقافة المجتمعات الغربية مشكلة تاريخية وأخلاقية، بلغت ذروتها في الحل النازي الجذري للمسألة اليهودية.

بنيامين نتنياهو من عتاة التطرف الديني الصهيوني، الذي يحكم إسرائيل اليوم. كيان قام على الخداع والكذب والتآمر من الصعب تخليه عن عدائه المتأصل للسلام. كيان لا يمكن الوثوق في وعوده التي يقطعها. كان آخر تلك الوعود تلك التي ضربها لمن وقعوا معه ما يسمى باتفاقات أبراهام، مؤخراً، الذين يعترفون اليوم أن إسرائيل خدعتهم، ولم تفِ بالتزاماتها في تلك الاتفاقات تجاه القضية الفلسطينية، تماماً كما خدعت قبلهم مِن مَنْ وقّعوا اتفاقات سلام مع إسرائيل من نسختين: واحدة تتعلق بالاعتراف بإسرائيل، والأخرى تتعلق بحل عادل للقضية الفلسطينية، فكانت النتيجة التطور من الاعتراف بالدولة اليهودية إلى المطالبة بالتطبيع معها، مع التجاهل التام للمسألة الفلسطينية!

الكَذِبُ الأشِرُ هو أخطر أشكال الإفك زوراً وبهتاناً وعدواناً.