
في المساءِ الذي يتوكّأ على ذاكرة ستّين عامًا من الصدح،
وحيثُ تتدلّى من سقف المجد أسماءٌ وُلدت لتظلّ…
يعود حسن أبو علّة لا كعابرٍ في تاريخ القصيدة،
بل كجرسٍ أعاد للغة العربية خشوعها الأول،
وكقلبٍ ظلّ ينبض في صدر الجنوب ليوقظ في أهله عشق البيان… وحنين الجبال…
وصفاء البحر حين يتهامس مع شاطئ بيش القديم. هو ابن 1360هـ… ذلك الفتى الذي حمل الفصحى على كتفه، والنبطي في روحه، والتراث التهامي في دمه…
فصار وحده جسرًا يعبر عليه الشعراء إلى ضوءٍ لا ينطفئ.
علّم أجيالًا كيف تُنطق القصيدة،
وكيف تُصان الكلمة،
وكيف يظلّ الشاعر وفيًّا لضميره
ولو تغيّر العالم حوله.
لم تُغره رياح الحداثة حين اشتدّت، ولا ساوم يومًا على جمال القصيدة الأصيلة؛ فكان كالنخلة التي ترفض الانحناء ولو جفّ ماؤها… وكالضوء الذي يظلّ وفيًا للفجر ولو تغيّرت النوافذ.
وحين وقف بين يدي الأمير ونائبه،
لم يتحدّث عن ذاته، بل عن الأدب… والجنوب… والوطن.
قالها بنبرة العارف:
«التفّوا حول قيادتكم… واعملوا لمصلحة وطنكم» ثم ابتسم كشيخٍ أنهكته السنين…
لكنّ صوته ما زال يملك قدرةً
على أن يرفع القصيدة عاليًا.
وفي تلك الأمسية التي اختار لها القائمون عنوانها،
قدّم شعرًا فصيحًا خالصًا،
لا لأن غيره لا يجيد،
بل لأن الفصحى عنده وطنٌ آخر…
ولأن حنجرته وُلدت لتسبّح ببيان العرب كما يسبّح الصباحُ بضيائه.
وتجيء شهادة جمعية أدبي جازان
كختمٍ على صفحة من ذهب:
إن اختيار حسن أبو علّة لإحياء أمسية منفردة ليس تكريمًا لشاعرٍ فحسب، بل تتويجٌ لمسيرة ثقافية
حملت الجنوب على أكتافها.
وعلّمت المملكة كيف تكون القصيدة حين تنبع من قلبٍ صادق… ومن أرضٍ تحفظ الشعر كما تحفظ أسماء شهدائها.
هذا هو أبو علّة… عميد الشعر الجنوبي… الرجل الذي كتب “زفرة الشوق”
و”رياح البين”
و”دموع معلم”…
والذي جعل من بيش
مدينةً يتردّد في أزقتها صدى الفصحى حتى اليوم.
هو آخر شهقة للحلم،
وأول نافذة على الضوء،
ووجه المعلم حين يبتسم،
وشرفة الانتظار التي لا تُغلق،
وصوت الجنوب الذي لا يشيخ…
ولا يتعب… ولا يتراجع خطوةً
عن حبّ لغته ووطنه. سلامٌ عليه…
على قصائده التي لم تصل كلها بعد، وعلى قصائده التي وصلت فغيّرت قلوبًا، وعلى مجده الذي لا يزيده الزمن إلا توهّجًا. وستظلّ جازان كلما مرّ اسمه تضع يدها على صدرها… وتقول:
هنا… وُلد الشعر.



