
من البحر إلى البحر، حيث يسكن الشعر في جازان، وفي ليلةٍ من ليالي جدة انسكب العطر القادم من الجنوب، وجاء فرسان الكلمة يحملون دفءَ القرى ورائحةَ المطر، ليغسلوا أضواء المدينة بحروفٍ ندية، ويزرعوا على ضفاف البحر نخيلاً من القصيد.

أطلّوا كما يطلّ الفجر على شرفة الحنين، وكانت حروفهم تنطق بالحب والهوية، حتى امتلأت القاعة بنبض الشعر، وارتجف في القلوب يقينٌ جميل: أن الشعر ما زال بخير، وأن جازان تحفظ وصيته في قلبها.
جازان… تلك الأرض التي يتكئ فيها الحرف على كتف الجبل، ويغتسل من عيون الوادي، ما زالت تهبُّ على المشهد الثقافي نسيمًا من الأصالة، ومهدًا لجيلٍ جديدٍ يحمل راية الكلمة في زمن التقنية والعلم.
في تلك الليلة، كان فرسان اللقاء ثلاثة
أحدهم طبيبٌ يداوي الجسد، والثاني ممارسٌ يضمد جراح الناس، والثالث دارسٌ للإعلام يضبط إيقاع الكلمة في زمن الصورة. لكنهم جميعًا التقوا في مهنةٍ واحدة… الشعر، وفي رسالةٍ واحدة… أن الكلمة ما زالت تملك القدرة على الشفاء.

تألّقوا في أمسيةٍ حملت عنوان “من البحر إلى البحر”، بين عبقر الشعر ونادي أصدقاء الأدب بجازان، فكان اللقاء نهرًا من ضوءٍ، تتعانق فيه الحروف بين جدة وجازان، ويصغي البحر لنبض الجنوب في حنينٍ طويل.
سلامٌ على جازان… حيث يولد الشعر كلَّ صباحٍ من رماد الغيم.
هكذا احتفت جدة بليلةٍ شعريةٍ زاهرة، بالتعاون مع نادي أصدقاء الأدب بجازان، شهدت حضورًا أدبيًّا لافتًا، وجمعت نخبةً من الشعراء والمثقفين.
استُهلّت الأمسية بكلمةٍ ترحيبيةٍ للدكتور يحيى الزبيدي، تلتها قصيدةٌ للشاعر حمد جويبر، أضفت على المكان دفئًا وجمالًا. ثم توالت القصائد من فرسان الشعر: الدكتور محمد جعفر، وعبدالعزيز حكمي، وعلّالله طاهر، فتنوعت في موضوعاتها، ولامست قلوب الحضور بلغةٍ رفيعةٍ ومشاعرَ إنسانيةٍ صافية.
وشهدت الأمسية مداخلاتٍ ثرية من كوكبةٍ من النقاد والأدباء، منهم الدكتور مدني علاقي، والأستاذ حسين بافقيه، والدكتور يوسف العارف، والأستاذ عبدالعزيز هويدي رئيس نادي جازان الأدبي الأسبق، الذين أضاءوا المشهد بملاحظاتهم ورؤاهم النقدية.
وفي ختام الأمسية، تبادلت جمعية الأدب بجدة ونادي أصدقاء الأدب بجازان (صالون الصعابي) الدروعَ التذكارية، في لفتةٍ تعبّر عن عمق التواصل الثقافي بين المدينتين، وتم تكريم الشعراء ومدير الأمسية تقديرًا لإبداعهم ومساهمتهم في نجاح اللقاء.


واختُتمت الليلة بلقطةٍ ختاميةٍ جمعت الشعراء والحضور، كأنها صورةٌ من قصيدةٍ كُتبت بالضوء والمحبة، تُعلن أن جازان ما زالت تُنجب الشعر كل صباح، وأن الحرف لا يموت ما دام في الجنوب قلبٌ ينبض.











