
الخصوصية السعودية على المستوى العالمي
ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني
المملكة العربية السعودية هي الدولة المحورية الأولى في العالم العربي والإسلامي ، بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية ، وبحكم رؤيتها الثاقبة ، وسياستها الحكيمة ، وشجاعة قيادتها الرشيدة التي لا تتعجل في تصرفاتها ، ولا تتردد في مواقفها إذا لزم التدخل ، ولا تحيد عن مواقفها الثابتة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات. وقد انعكس هذا الثقل في دورها الفاعل تجاه القضايا العربية والإسلامية ، سواء عبر المبادرات السياسية ، أو الوساطات الدبلوماسية ، أو الجهود الإنسانية والإغاثية. وسوف أحاول أن أستعرض أبرز القضايا العربية والإسلامية التي أسهمت المملكة فيها إسهاماً مؤثراً يخدم المصلحة العربية والإسلامية ، ويخفف عن شعوب تلك الدول المعاناة ، ويرسم لهم طريقاً إلى حياة كريمة ، ومستقبل باسم مشرق.
أولاً: القضية الفلسطينية
تحتل القضية الفلسطينية مكانة الصدارة في سياسة المملكة الخارجية ، باعتبارها قضية عربية وإسلامية عادلة ، طال ليلها ، وتعقَّدَ حلُّها بسبب التعنّت الصهيوني ، والتواطِئ الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً.
وقد أسهمت المملكة في حلّها والحفاظ عليها حيَّة في الضمير العالمي إسهامات متعددة ، ففي المجال السياسي : طرحت المملكة مبادرات سلام متكاملة ، منها: مبادرة الملك فهد –رحمه لله تعالى – للسلام عام 1981م بمدينة فاس بالمغرب .
ومبادرة الملك عبدالله – رحمه الله تعالى – للسلام الشامل والعادل ، والتي سمّيت فيما بعد مبادرة السلام العربية ، حيث أُعتمدت من قبل قمة جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002م. وقد قدَّمت تلك المبادرة تصوراً شاملاً لحل الصراع العربي الإسرائيلي وفق مبدأ الأرض مقابل السلام ، وبما يتفق مع قرارات الشرعية الدولية.
ودبلوماسياً: أسهمت مواقف المملكة في تثبيت الموقف العربي والإسلامي في المحافل الدولية ، والدفاع عن الوضع القانوني للقدس والمقدسات الإسلامية.
كما أن المملكة دعت لقمة طارئة لجميع الدول العربية والإسلامية بعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في أكتوبر 2023م ، وقد انبثق عن تلك القمة اللجنة العربية الإسلامية بقيادة المملكة ، وهذه اللجنة حملت القضية الفلسطينية بكل أبعادها إلى جميع العواصم العالمية مما أدَّى إلى قيام التحالف الدولي ” لتنفيذ حل الدولتين ” ، فقد أعلن سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان – وفقه الله تعالى – في 23ربيع الأول 1446ه الموافق 26 سبتمبر 2024م باسم الدول العربية والإسلامية والشركاء الأوروبيين عن إطلاق ” التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين ” وذلك على هامش أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والسبعين بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.
وقد ضم التحالف عند انطلاقه حوالي 90 دولة! ، وهذه المبادرة تهدف إلى جعل حلّ الدولتين خياراً واقعياً وقانونياً ، ليتم من خلال ذلك حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة.
وأما إنسانياً : فقد قدَّمت المملكة دعماً مالياً سخيّاً ، ودعماً إنسانياً مستمراً للشعب الفلسطيني ، شمل قطاعات الإسكان ، والصحة ، والتعليم. كما دعمت اللاجئين الفلسطينيين عبر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة اختصاراً ( بالأونروا ) ، كما أنها تقدم دعماً غير محدود للقيادة الفلسطينية على المستوى السياسي والدبلوماسي والمالي ؛ لتبقى صامدة في وجه الضغوط الإسرائيلية المتزايدة عليها.
إن الدعم السعودي للأشقاء في فلسطين كبير وطويل وممتد عبر سنوات الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين. فهو دعم لا يمكن حصره أو وصفه أو تسطيره في مقال أو كتاب ؛ لأنه دعم متعدد الأوجه ماديّاً ومعنويّاً ، وكذلك آثاره متعددة بفضل الله تعالى.. ولذلك فقد أسهمت جهود المملكة المتواصلة في منع تهميش القضية الفلسطينية دولياً ، بل أوصلت القضية الفلسطينية إلى مرحلة متقدمة جداًّ على مستوى الشرعية الدولية ، فبجهود المملكة الفاعلة والمؤثرة اعترف ما يزيد على 160 دولة بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967م.
كما أثرت جهود المملكة في التخفيف من الأعباء الإنسانية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني الشقيق ، رغم تعقّد مسار التسوية السياسية بسبب التعنت الصهيوني.
وأملنا في الله عز وجل كبير في أن يكون الأثر الأكبر لهذه الجهود هو تحقق قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة في القريب العاجل ، وما ذلك على الله بعزيز.
ثانياً: الأزمة اليمنية
تعدُّ الأزمة اليمنية من أهم وأبرز التحديات الأمنية والإنسانية في المنطقة العربية ؛ نظراً لموقع اليمن الجغرافي ، والكثافة السكانية ، وتعقيدات المشهد اليمني بسبب التباينات الكبيرة ، والخلافات المتجذرة ، والمشاكل المزمنة التي عصفت باليمن فترة طويلة من الزمن.
وأمام هذا الوضع الذي وصل إلى سقوط العاصمة اليمنية بيد المليشيات الحوثية المدعومة من قبل النظام الإيراني الذي يكنُّ عداء شديداً للإسلام والمسلمين عموماً ، وللعرب خصوصاً، ولدول الخليج العربي بشكل أخص ، وقفت المملكة موقف المتصدي لهذا المشروع الرافضي البغيض ، كما وقفت دفاعاً عن الدين والمقدسات والشعوب العربية وأوطانها.
ففي المجال السياسي : دعمت المملكة الشرعية اليمنية ، وسعت إلى إيجاد حل سياسي عبر المبادرات والمشاورات اليمنية – اليمنية. ولما رأت الإصرار الحوثي على اختطاف اليمن ، وتهديد الجوار، قادت تحالف عاصفة الحزم في 6 جُمادَى الآخرة 1436ه الموافق 26 مارس 2015م ، ثم عملية إعادة الأمل التي انطلقت في 21 أبريل 2015م .
وإنسانياً: تُعدّ المملكة أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية في اليمن ، من خلال برامج الإغاثة الغذائية والصحية ودعم البنية التحتية الأساسية ، وما يقدمه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية للأشقاء في اليمن شيء كبير جداًّ لا يساويه أو يقاربه أي دعم آخر من أي جهة كانت!.
كما دعمت المملكة الاقتصاد اليمني ، ولا سيما عبر دعم البنك المركزي ، وتوفير المشتقات النفطية لضمان استمرار الخدمات الحيوية.
وهذه الجهود وغيرها مما قدَّمته – وما زالت تقدّمه – المملكة للأشقاء في اليمن السعيد والعزيز على المملكة قيادة وشعباً قد أسهمت في الحد من انهيار مؤسسات الدولة اليمنية ، والتخفيف من تداعيات الأزمة الإنسانية. كما أدَّت إلى رفع الروح المعنوية لاستعادة الشرعية ، وفرض السيادية الوطنية على كامل التراب اليمني في القريب العاجل إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: الأزمة السورية
رغم تعقيدات الأزمة السورية وتشابك أطرافها ، والتدخلات الخارجية التي أَضرت كثيراً بمصالح الشعب السوري الشقيق إلا أن المملكة اضطلعت بدور مهم وفاعل ومؤثر في بعدها الإنساني والسياسي .
ففي المجال الإنساني قدَّمت المملكة مساعدات إغاثية للاجئين السوريين داخل سوريا وفي دول الجوار ، شملت الغذاء ، والرعاية الصحية ، والتعليم ، ومستلزمات التدفئة وغيرها.
وفي المجال السياسي كانت المملكة هي السند القوي للأشقاء في سوريا طيلة سنوات الحرب والتهجير التي عانى منها الشعب السوري الشقيق ، فقد دعمت المملكة كل الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي يحفظ وحدة الأراضي السورية ، ويضع حداً لمعاناة الشعب السوري ، وقد تتوجت الجهود السعودية بنجاح ثورة الشعب السوري الشقيق ، ورفع جميع العقوبات المفروضة عليه بسبب جرائم النظام السابق.
كما استطاعت القيادة السعودية أن توظف ثقلها الدولي لدعم القيادة السورية الجديدة حتى نالت الاعتراف الدولي الكامل بها كقيادة فاعلة وموثوقة دولياً. وقد بدأ الاعتراف الدولي بالرئيس أحمد الشرع وبقية أعضاء حكومته عندما استطاع سمو الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله تعالى – أن يقنع الرئيس الأمريكي ترامب برفع العقوبات عن سوريا الشقيقة ، والالتقاء بالرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض أثناء زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية في 15 ذو القعدة 1446ه الموافق 13مايو 2025م.
وها هي سوريا الشقيقة تتعافى يوماً بعد يوم ؛ لتعود لحضنها العربي ، ولدورها القومي ، ولمكانتها التاريخية ، وكل ذلك بفضل الله تعالى وتيسيره وتوفيقه ، ثم بدعم سعودي منقطع النظير وغير محدود ، تقدّمه المملكة في كل المجالات السياسية والدبلوماسية والأمنية ، وفي كل المجالات الإنسانية والخدمية ، وفي كل المحافل الدولية .
فاللهم وفق حكومتنا الرشيدة لما فيه خير الإسلام والمسلمين ، ولما تنال به رضاك ، وتستنزل به نصرك ومعيتك وعونك وحفظك يا كريم يا مجيب الدعوات . اللهم آمين.
وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى.
السبت الموافق 5 شعبان 1447ه.
د. علي بن يحيى بن جابر الفيفي



لثناء العاطر، والتقدير البالغ، والإشادة المستحقة للدكتور علي يحيى الفيفي على هذا المقال الاستراتيجي العميق، الذي يُعد نموذجاً متقدماً في الكتابة الوطنية الواعية، والرؤية السياسية المتزنة، والتحليل المسؤول المنطلق من فهم راسخ لمكانة المملكة العربية السعودية ودورها المحوري في العالمين العربي والإسلامي وعلى الساحة الدولية.
لقد جاء المقال محكماً في بنيته، واضحاً في أهدافه، متسقاً في تسلسل أفكاره، جامعاً بين التأصيل التاريخي، والتحليل السياسي، والاستقراء الواقعي للأحداث، مع توظيفٍ ذكي للوقائع والمبادرات والمواقف الرسمية التي تؤكد أن السياسة السعودية ليست سياسة ردود أفعال، بل نهجٌ استراتيجي ثابت، يقوم على الحكمة، والتوازن، وتحمل المسؤولية، والانتصار لقضايا الأمة دون تهور أو خضوع للضغوط.
وأجاد الكاتب – حفظه الله – في إبراز الخصوصية السعودية على المستوى العالمي، لا بوصفها ادعاءً إعلامياً، بل كحقيقة راسخة تجلت في مواقف المملكة من القضايا ذات البعد الإنساني والدولي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث عرض الدعم السعودي عرضاً شاملاً، أحاط بالأبعاد السياسية والدبلوماسية والإنسانية، واستحضر المبادرات التاريخية الكبرى التي شكّلت مرجعيات دولية للحل، وأوضح الدور السعودي المحوري في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الضمير العالمي، وحمايتها من التهميش، والدفع بها نحو الشرعية الدولية والاعتراف الواسع بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة.
كما تميز الطرح المتعلق بالأزمة اليمنية بعمق الفهم لتعقيدات المشهد، وإنصاف الموقف السعودي الذي جاء دفاعاً عن الشرعية، وحماية للأمن القومي العربي، ووقوفاً في وجه المشروع الإيراني التخريبي، مع تسليط الضوء على الجانب الإنساني الذي لم تتخلَّ عنه المملكة في أحلك الظروف، حيث كانت – ولا تزال – الداعم الأكبر للشعب اليمني، إغاثةً، وتنميةً، ودعماً لمؤسسات الدولة، وهو ما يعكس ثبات المبادئ السعودية حتى في ساحات الصراع.
وفي تناوله للأزمة السورية، قدّم الكاتب قراءة ناضجة ومتوازنة، تبرز الدور السعودي الإنساني والسياسي بعيداً عن الاصطفافات الضيقة، وأظهر كيف استطاعت المملكة، بثقلها الدولي وحكمتها القيادية، أن تكون سنداً للشعب السوري، وأن تسهم في إعادة سوريا إلى محيطها العربي، ودعم قيادتها الجديدة حتى نالت الاعتراف الدولي، في خطوة تاريخية تُحسب للدبلوماسية السعودية الهادئة والفاعلة.
إن هذا المقال لا يكتفي بسرد المواقف، بل يؤسس لوعيٍ سياسيٍّ عربيٍّ مسؤول، ويعزز الثقة بالدور السعودي القيادي، ويُبرز أن المملكة لم تكن يوماً دولة تبحث عن النفوذ لأجل النفوذ، بل دولة رسالة، وموقف، ومسؤولية، وحملٍ أمينٍ لراية الأمة في قضاياها المصيرية.
فجزى الله الدكتور علي يحيى الفيفي خير الجزاء، وبارك في علمه وقلمه، ونفع بما يكتب، وجعل جهده هذا في ميزان حسناته، ووفّقه لمزيد من العطاء الفكري والوطني الذي يخدم الدين، والوطن، والأمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.