مقالات

التميّز السعودي في مواجهة التحديات -7-

د. علي بن يحيى بن جابر الفيفي

الخصوصية السعودية على المستوى العالمي

    ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني

المملكة العربية السعودية هي الدولة المحورية الأولى في العالم العربي والإسلامي ، بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية ، وبحكم رؤيتها الثاقبة ، وسياستها الحكيمة ، وشجاعة قيادتها الرشيدة التي لا تتعجل في تصرفاتها ، ولا تتردد في مواقفها إذا لزم التدخل ، ولا تحيد عن مواقفها الثابتة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات. وقد انعكس هذا الثقل في دورها الفاعل تجاه القضايا العربية والإسلامية ، سواء عبر المبادرات السياسية ، أو الوساطات الدبلوماسية ، أو الجهود الإنسانية والإغاثية. وسوف أحاول أن أستعرض أبرز القضايا العربية والإسلامية التي أسهمت المملكة فيها إسهاماً مؤثراً يخدم المصلحة العربية والإسلامية ، ويخفف عن شعوب تلك الدول المعاناة ، ويرسم لهم طريقاً إلى حياة كريمة ، ومستقبل باسم مشرق. وقد سبق الحديث عن عدة قضايا ، وهنا نستكمل الحديث في هذا السياق.

ثامناً : الدعم السعودي للأشقاء في لبنان لاستعادة السلم الأهلي ، والخروج من نفق الطائفية المقيتة!.

    عندما عصفت الحرب الأهلية بلبنان الشقيق ومزَّقت أوصاله!، وشرَّدت أبناءه! ، وأتاحت فرصةً للكيان الصهيوني أن يحتل جزءاً من أرضه!.. ففي تلك الظروف العصيبة على لبنان الشقيق لم تقف المملكة موقف المتفرج ، أو مكتوفة الأيدي! ، بل بادرت بالمساعي الحميدة ، وبذلت جهوداً دبلوماسية كبيرة لحل القضية اللبنانية بما يحقق مصلحة جميع أبناء الشعب اللبناني الشقيق ، ويؤكد على هوية لبنان وانتمائه العربي ، وقد تحقق ذلك باتفاق الطائف عام 1410ه الموافق 1989م ، هذا الاتفاق العظيم ، الذي أصبح وثيقة وفاق وطني يجمع كل اللبنانيين على مرتكزات وطنية ثابتة. 

    لقد أوقف اتفاق الطائف حرباً أهلية طاحنة استمرت خمسة عشر عاماً ! ، ووزَّع السلطات بين الطوائف اللبنانية ، كما كان اتفاق الطائف المنطلق الذي أسس لمفهوم التعايش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية ، وقبولها لما تمَّ الاتفاق عليه من التمثيل السياسي لكل طائفة.

    وقد كان من أهم ثمار ذلك الاتفاق الذي رعته المملكة ما يلي :

  • التوافق على إلغاء الطائفية السياسية ، وقد عدَّ المجتمعون ذلك هدفاً وطنياًّ أساسياً يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية ، يتم فيها إلغاء قاعدة التمثیل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامـة ، والقضـاء ، والمؤسسـات العسـكریة ، والأمنیة ، والمؤسسات العامة والمختلطة ، والمصـالح المسـتقلة ، وفقـاً لمقتضـیات الوفـاق الـوطني ، باسـتثناء وظـائف الفئـة الأولـى فیها ، وفي ما یعـادل الفئـة الأولـى وتكـون هـذه الوظـائف مناصـفة بـین المسـیحیین والمسـلمین دون تخصـیص أية وظیفـة لأیـة طائفة. كما اعتمد المجتمعون إلغاء ذكر الطائفة والمذهب في بطاقة الهویة الوطنية.
  • نصَّ الاتفاق على ضرورة بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية ، وعلى نزع سلاح جميع الميليشيات الوطنية وغير الوطنية ، وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر ، تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني ، وانتخاب رئيس الجمهورية ، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني ، وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية.
  • أكَّدت وثيقة اتفاق الطائف على أهمية وضرورة العمل على تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني ، ويتطلب ذلك عدة إجراءات من أهمها: العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية.

كما أكَّدت الوثيقة على الحكومة اللبنانية أن تتخذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ، ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً. والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني ؛ لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ، ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود.

لقد كان اتفاق الطائف نجاحاً دبلوماسياً سعودياًّ يستحق التقدير والإشادة على المستوى الإقليمي والدولي معاً ، حيث نجحت الدبلوماسية السعودية في الحفاظ على الدولة اللبنانية ؛ لتبقى دولة عربية ذات سيادة كاملة ، ومؤسسات موثوقة ، وحدود معترف بها دولياً ، ولِتُبعدَ عن أبناء الشعب اللبناني الشقيق شَبَحَ الطائفية المقيتة! ، وخطر المليشيات المنفلتة ، والخارجة عن النظام والقانون!.

    إن اتفاق الطائف سيبقى بعد الله تعالى هو صمَّام الأمان للشعب اللبناني بكل طوائفه ، وجميع مكوناته ، به تحقق السلم الأهلي ، والتجانس المجتمعي ، وقامت مؤسسات الدولة وفق إطار قانوني ، وتوافق وطني يحترم كل مكونات الشعب وطوائفه..

ولولا دعم النظام النصيري في سوريا ، والحرس الثوري الإيراني لمليشيا حزب الله الإرهابية التي سيطرت على جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي ، ثم عاثت فساداً في الداخل اللبناني فأضعفت سيادة الدولة! ، وقيَّدت قرارها الرسمي! ؛ لولم يحصل ذلك ، وما رافقه من تساهل دولي في إلزام المليشيا المسلحة بنزع سلاحها وتسليمه للدولة اللبنانية ؛ لما وجد الاحتلال الصهيوني ذريعة لشن الحروب المتكررة على الأرض اللبنانية!.

وما زالت المملكة تقف مع الشعب اللبناني داعمة له في كل ما يحقق له السلام والأمن والاستقرار ، ويبعد عنه شبح الطائفية ، والمليشيات الخارجة عن النظام والقانون ، كما أنها تدعمه دعماً غير محدود في التصدي للعدوان الإسرائيلي على أرضه!.

                                   وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى

                                       الأحد الموافق 22 شعبان 1447ه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى