
المروءة العربية ليست مجرّد خُلُق من أخلاق العرب، بل هي سجيّة عميقة تضرب جذورها في تاريخ الفروسية والشرف والنجدة. كان العربي يعدّ نفسه مسؤولًا عن صيانة اسمه قبل سيفه، وعن حفظ خصمه قبل أن يغلبه، وعن بقاء أثره نقيًا لا تشوبه شائبة من غدرٍ أو لؤم.
ولعل أجمل الشواهد على ذلك ما رُوي عن عبد الملك بن مروان حين قيل له: أكان مصعب بن الزبير يشرب الخمر؟
فقال: “لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شرِبه.”
هذه الجملة ليست ثناءً على رجلٍ غاب، بل شهادة على قيمةٍ بقيت. شهادة على أن الخصومة — مهما اشتدّت — لا تمحو الحق، ولا تُنقص من قدر من اتصف بمروءة. عبد الملك قاتل مصعبًا سنين طويلة، وأسقط حكمه، وواجه أخاه عبد الله بن الزبير في معارك كبرى انتهت بقتلهما.
ومع ذلك… لم يتجاوز خصومة السياسة إلى خصومة الأخلاق. لم يتنقص شرف الرجال، ولم يطعن في كرامة خصومه، بل حفظ لمصعب مكانته، وأعطاه من التقدير ما لو أُعطي في حياته لسرّ قلبه.
وهذه السجية لم تكن استثناءً في الماضي، فلمّا انتهت حروب الملك عبدالعزيز — طيب الله ثراه — لم يترك خلفها ثارات ولا شقاقًا طويلًا. بل مدّ الجسور، ووثّق الأواصر، وتزاوجت العائلات، وتحولت ساحات القتال إلى ساحات مصافحة وودّ وتقدير.
هذا هو النصر الحقيقي: أن تنتصر بالسيف، ثم تنتصر بالأخلاق. أن تبني دولةً، ثم تبني معها ذاكرةً لا تحمل ضغائن.
المروءة عند العرب هي هذا تمامًا: أن تُحسن بعد القدرة، وتَصْدُق بعد الغلبة، وتَصفُو بعد الكسر. هي الذهب الذي لا تزيده النار إلا لمعانًا، والرجال الذين لا تزيدهم الخصومات إلا رفعة. هي البصمة التي لا تتغيّر مهما تبدّلت الأزمنة، لأنها نابعة من عمقٍ لا يعرف الزيف.
واليوم — مهما تغيّرت الأحوال — يبقى المرء بحاجة إلى تلك المروءة النقية التي كان يحملها أسلافه. مروءةٌ تُعيد للخصومة إنسانيتها، وللخلاف احترامه، وللرجولة معناها. فالعربي الأصيل لا يبالغ في العداء، ولا يطعن من الخلف، ولا ينتقص من قيمة خصمه حتى لو اشتدّ بينهما الصراع.
إنه يعرف أن الأيام دول، وأن الغلبة ليست معيار الفضيلة، وأن التاريخ لا يكتب المنتصرين فقط… بل يكتب النبلاء.
وهكذا يظلّ العرب الأقحاح كما وصفهم التاريخ: كالذهب الخالص، تصهرهم المعارك فلا يزدادون إلا صفاءً، وتختبرهم الخصومات فلا يزدادون إلا شرفًا.
إنها المروءة التي لا تُشترى، ولا تُصطنع، ولا تفرضها الأنظمة؛ بل تولد مع الرجل، وتظهر في شدّته قبل رخائه.




صح بوحك يابو اروى وشكرا لك