آداب

شتاء داخلي

خالد الشبيلي – 13ديسمبر ٢٠٢٥م

رغم أنني في مدينة يعلن الشتاء
حضوره كل صباح إلا أن حديثي
ليس عن هذا البرد الذي يلامس الجسد

حديثي عن شتاء آخر
أشد قسوة
يسكن الداخل لا تراه العيون
لكن تشعر به الروح

أذهلني المشهد
وشدني بصمت لا يشبه الدهشة العابرة
تساقط الأوراق في حديقة هايد بارك
كأن المكان قرر أن يعترف أخيراً بما يخفيه

أشجار كانت مهيبة
ممتلئة بالحياة
تحيطها الخضرة كاليقين
ثم فجأة
وقف الشتاء حولها
فأصبحت عارية
بلا أوراق ، بلا زينة

لم يكن المشهد حزيناً بقدر ما كان صادقاً
كأن الأشجار تقول
هكذا نكون حين يمر بنا فصل قاسٍ
نسقط ما لا يحتمل البقاء
ونقف عراة أمام أنفسنا
لكن ما أيقظه هذا المشهد
لم يكن تساقط الأوراق
بل تساقط الأصدقاء

سقطوا كما تسقط الأشياء
التي نعتقد خطأ أنها ثابتة
بلا إنذار

بعضهم غيبه الطريق
وبعضهم أرهقته الحياة
وبعضهم اختفى من المشهد
دون أن يختفي من القلب

الأصدقاء يتركون فراغاً
أما الأحباب فيتركون شقاً لا يلتئم

كنا نعتقد أن القرب يحمي
وأن الذاكرة كافية
لكننا تعلمنا متأخرين أن الفقد
لا يحتاج سبباً عادلاً كي يحدث

الأقسى أنهم لا يسقطون دفعة واحدة
بل يتساقطون تباعاً حتى يصبح القلب
مكاناً أوسع للغياب من الحضور

وهكذا … نبقى مثل أشجار الشتاء
نحمل جذورنا بصمت ونقف عراة
بعد أن أخذ الرحيل منا الأحبة
وتركنا نعد الغياب
فرداً بعد فرد

هذا هو الشتاء الحقيقي
ليس الذي يمر على المكان
بل الذي يمر علينا
ويعلمنا أن بعض الفصول
لا تنسى

✍ خالد الشبيلي – 13ديسمبر ٢٠٢٥م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى