
فراق الأحبة ليس حدثًا عابرًا في حياتنا، بل زلزال صامت يمرّ بالقلب ويترك شقوقه العميقة في الروح.
هو ذلك الألم الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ في تفاصيل اليوم، في المقعد الفارغ، وفي صوتٍ اعتدنا سماعه فلم يعد، وفي أشياء صغيرة كانت عادية ثم تحولت إلى وجع مؤجل.
حين يفارق الأحبة، لا نفقد أشخاصًا فحسب، بل نفقد نسخًا من أنفسنا كانت لا تظهر إلا بحضورهم. نفقد الضحكة التي كانت تخرج بعفوية، والطمأنينة التي لا تحتاج تفسيرًا، ونفقد لغة خاصة لا يفهمها سوانا.
يصبح الصمت أثقل، والوقت أطول، وتغدو الذكريات سيوفًا ذات حدّين؛ تمنحنا دفئًا لحظة، وتغرس ألمًا في القلب لحظات أطول.
أقسى ما في الفراق أنه يأتي أحيانًا بلا وداع، أو يأتي والوداع عاجز عن حمل كل ما نريد قوله. تبقى كلمات معلّقة في الحلق، ورسائل لم تُكتب، واعتذارات مؤجلة لا تجد طريقها.
نحاول أن نتماسك أمام الناس، لكن القلب يعرف جيدًا حجم الخسارة، ويعلن حداده بطريقته الخاصة.
ومع ذلك، فإن فراق الأحبة، رغم قسوته، يعلّمنا الكثير. يعلّمنا أن الحضور نعمة لا تُؤجَّل، وأن المشاعر التي لا تُقال قد تتحول إلى ندم.
يعلّمنا أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بطول الزمن، بل بعمق الأثر، وأن من مرّ بالقلب بصدق لا يغادره أبدًا، حتى وإن غاب الجسد.
يبقى الألم، نعم، لكنه لا يبقى كما هو. مع الوقت يتحول من وجع حاد إلى حنين هادئ، ومن دمعة مفاجئة إلى ابتسامة شجن.
نتعلم أن نعيش مع الفقد لا ضده، وأن نمنح الراحلين مكانهم اللائق في ذاكرتنا، لا ليؤلمونا، بل ليذكّرونا أننا أحببنا يومًا بصدق، وأن هذا وحده كافٍ ليمنح للحياة معنى، مهما كان الفراق موجعًا.



