
بسم الله الرحمن الرحيم
بالفعل، هذه القصيدة للدكتور مهدي الحكمي تُعد من الأيقونات الشعرية المعاصرة التي قيلت في حضرة الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمه الله- أثناء زيارته لمنطقة جازان.
تستحق هذه المعلقة المعاصرة وقفة نقدية فاحصة، فهي لم تكن مجرد أبياتٍ للمدح، بل كانت “لوحة جازانية” رُسمت بريشة لغوية متمكنة. إليك تحليل لأبرز الجوانب الإبداعية، وفنون الربط، والجماليات البديعية التي جعلتها قصيدة لا تُنسى:
أولاً: براعة الاستهلال وقوة التضاد (المقابلة)
بدأ الدكتور مهدي الحكمي قصيدته بتقنية “الدهشة” من خلال نفي الصفة المعتادة عن المكان والناس ليربطها بالحدث العظيم:
- في قوله: (الأرض غير الأرض… والناس غير الناس): استخدم الشاعر هنا أسلوب المقابلة البديعية، حيث نقل المشهد من الحالة السكونية المعتادة إلى حالة حركية انفعالية.
- جودة الربط: ربط بين “ضحك السهل” و”هفهفة الربى” و”زبد البحر”، ليجعل الطبيعة الصامتة شريكاً في الاحتفاء، وكأن جازان تخلت عن وقارها الجغرافي لترقص طرباً.
ثانياً: الوحدة العضوية وفن “التدبيج”
تظهر جودة الربط في انتقال الشاعر من وصف الطبيعة إلى وصف المشاعر الإنسانية، ثم إلى شخصية الممدوح بسلاسة مذهلة: - الربط بالزمان: في قوله (الأمس في يمناك… واليوم في يسراك… وغداً يلوح)، استطاع الشاعر أن يختزل تاريخ الإنجاز في بيت واحد، موظفاً “التقسيم” (وهو من المحسنات البديعية) ليربط بين منجزات الماضي، وواقع الحاضر، واستشراف المستقبل.
- الفن البصري: حين وصف الملك بـ “صقر العروبة” ثم أتبعها بكلمة “لملم”، ربط بين انقضاض الصقر وحنكة القائد الذي يجمع الشتات، وهي صورة فنية تدمج القوة بالرحمة.
ثالثاً: الصور البلاغية والجانب البديعي
امتازت القصيدة بكثافة في الصور البيانية التي تخدم الغرض النفسي: - الاستعارة المكنية: في قوله (جازان اكتست ثوب الجمال)، صور المنطقة عروساً تتزين، وهو ربط بارع بين التنمية العمرانية والجمال الفني.
- الكناية والمبالغة المقبولة: في البيت الشهير (ردت أخا الستين طفلاً أمردا)، نجد كناية عن تجدد الأمل وذهاب اليأس، واستخدم الشاعر الطباق بين (الستين) و (الطفل الأمرد) لإبراز حجم التغيير الإيجابي الذي أحدثه العطاء الملكي.
- التوظيف المحلي: ربط بين الرموز العطرية لجازان (الزهر، الورد، الشذى، الفل، الكاذي) وبين شخصية الملك، مما جعل القصيدة ذات هوية “جازانية” بامتياز، لا تشبه أي قصيدة مدح أخرى.
رابعاً: الموسيقى الداخلية وجزالة اللفظ.
اعتمد الشاعر على بحر البسيط، وهو بحر يتميز بالرصانة والقدرة على استيعاب النفس الطويل، مع اختيار قافية (الدال المردوفة بالألف – دا) التي تعطي رنيناً قوياً يشبه وقع الطبل في العرضات الشعبية، مما أضفى طابعاً حماسياً على الإلقاء.
الخلاصة الأدبية:
تتجلى عبقرية مهدي الحكمي في أنه لم يمدح “الشخص” فحسب، بل مدح “الأثر”، واستطاع بذكاء أدبي أن يحول المشاعر الجياشة إلى صور لغوية محكمة البناء، بعيدة عن الابتذال، وقريبة من وجدان المتلقي البسيط والمثقف على حد سواء.
قصيدة معارضة من فارس التقنية على قصيدة الدكتور الحكمي
قصيدة: (مَوْعِدُ الوفاء.. جازانُ في عُرْسِ المَقْدَمِ السَّعيد)
الأَرْضُ غَنَّتْ.. وطَيْرُ السَّعْدِ قد غَرَّدا
لَمَّا رَأَتْكَ، وضَمَّتْ كَفَّكَ السَّنَدا
يا مَرْحَباً.. قالَها “البَحْرُ” انْشِراحَ رُؤىً
وفي شَواطِئِ “فُرْسَانٍ” شَذىً صَعَدا
تَباشَرَ “السَّهْلُ” في “صَبْيَا” وفي “ضَمَدٍ”
وبِـ “بَيْشَ” نُورُ الهَنَا بِالبِشْرِ قد وَقَدا
واسْتَبْشَرَتْ “مِنْطَقَةْ” الأَمْجادِ ضاحِكةً
لَمَّا بَدَوْتَ، وعِطْرُ السَّعْدِ قد وَفَدا
تلكَ “المَسَارِحَةُ” الشَّمَّاءُ قَدْ لَبِسَتْ
ثَوْبَ العَرُوسِ، وبِالآمالِ قَدْ شَهِدا
انْظُرْ إِلى “هَرْوَبَ” الغَنَّاءِ كَيْفَ زَهَتْ
والماءُ مِنْ فَرَحٍ في صَدْرِها بَرَدَا
قِمَمُ “الجِبالِ” بـ “فَيْفَاءٍ” قد انْحَنَتِ
حُبّاً، ومِنْ “جَازَانَ” حَتَّى “جِبَالَ شَدا”
جازانُ طُرّاً بِمَقْدَمِكَ السَّعيدِ سَمَتْ
وصَاغَها اللهُ في عَيْنِ الوَرَى جَسَدا
فارس التقنية
أحمد بن هبه بن علي هادي
عضو المجلس الاستشاري
(رؤية أدبية بريشة رقمية)
Binheba@gmail.com



